أما بعد ، فإن الصوم ربع الإيمان بمقتضى قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الصوم نصف الصبر »
شرح
ولذا اتفق أكثر العلماء على تقديم الصوم على الحج وهو الواقع في أكثر الأحاديث الصحيحة ، ولأن الصوم مفرد والحج مركب والمفرد مقدم على المركب في الوجود ، فناسب في الذكر ليتطابقا . ولما كان الصوم من أشق التكاليف على النفوس اقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ بالأخف وهو الصلاة تمرينا للمكلف ورياضة له ، ثم يثنى بالوسط وهو الزكاة ، ويثلث بالأشق وهو الصوم ، وإليه وقعت الإشارة في الآية المذكورة . وفي حديث « بني الإسلام » فاعرف ذلك .
قال المصنف رحمه اللّه : ( أما بعد ، فإن الصوم ) ثالث أركان الإسلام بعد لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . شرعه سبحانه لفوائد ؛ أعظمها : كونه موجبا سكون النفس الأمارة وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساته ، ولذا قيل : إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء ، فإذا شبعت جاعت كلها . وعن هذا صفاء القلب من الكدر ، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيها وبصفائه تناط المصالح والدرجات .
ومنها : كونه موجبا للرحمة والعطف على المساكين ، فإنه لما ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في جميع الأوقات فتسارع إليه الرقة عليه والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه ، فينال بذلك ما عند اللّه تعالى من حسن الجزاء .
ومنها : موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون وفي ذلك رفع حال عند اللّه تعالى ، كما حكي عن بشر الحافي أنه دخل عليه رجل في الشتاء فوجده جالسا يرعد وثوبه معلق على المشجب ، فقال له :
في مثل هذا الوقت ينزع الثوب أو معناه ؟ فقال : يا أخي الفقراء كثير وليس لي طاقة مواساتهم بالثياب فأواسيهم بتحمل البرد كما يتحملون .
وبالنظر إلى ما ذكرناه قيل : الصوم ( ربع الإيمان ) وذلك ( بمقتضى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الصوم نصف الصبر » ) قال العراقي : رواه الترمذي وحسنه من حديث رجل من بني سليم ، وابن ماجة من حديث أبي هريرة اه .
قلت : ولفظ ابن ماجة « الصيام نصف الصبر » وعند البيهقي من حديث أبي هريرة هكذا ، لكن بزيادة « وعلى كل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام » .
( وبمقتضى قوله صلّى اللّه عليه وسلم « الصبر نصف الإيمان » ) قال العراقي : رواه أبو نعيم في الحلية ، والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بسند حسن اه .
قلت : وأخرجه البيهقي من هذا الوجه بزيادة « واليقين الإيمان كله » . وقال : تفرّد به يعقوب ابن حميد ، عن محمد بن خالد المخزومي ، والمحفوظ عن ابن مسعود من قوله غير مرفوع أه .
ويعقوب قال الذهبي : ضعفه أبو حاتم وغير واحد .