تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وعلى آله وأصحابه ذوي الأبصار الثاقبة والعقول المرجحنة وسلم تسليما كثيرا .
شرح
( وعلى آله وأصحابه ذوي الآراء الثاقبة ) أي المضيئة بنور النبوة أو النافذة الصائبة ، والرأي استخراج صواب العاقبة ، ( والعقول المرجحنة ) أي الراجحة والنون زائدة ، وأرجحن المطر : دام ( وسلم تسليما كثيرا ) ومباحث الصلاة والسلام كالحمد وتعريف الآل والصاحب مشهورة في الكتب وقد أسلفنا شيئا منها في أول كتاب العلم . ثم اعلم : أن قول المصنف كتاب أسرار الصوم هو كقوله في الوجيز كتاب الصيام ، وتبعه الرافعي في المحرر ، والنووي في الروضة ، وذلك لأن كلّا منهما بمعنى واحد يقال : صام صوما وصياما . وأبدى بعض أصحابنا بينهما فرقا خاصا حيث قال نقلا عن الفتاوى الظهيرية : لو قال للّه عليّ صوم لزمه يوم واحد ، ولو قال صيام لزمه ثلاثة أيام كما في قوله تعالى :فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ[ البقرة : 196 ] اه . ولعل وجهه كما قرره بعض المتأخرين أنه أريد بلفظ صيام في لسان الشرع ثلاثة أيام ، فكذا في النذر خروجا عن العهدة بيقين بخلاف لفظ صوم ، وهذا على توهم أن الصيغة لها دلالة على التعدد ، وعندي فيه نظر لا يخفى فتأمله . تنبيه : عقب الزكاة بالصوم اقتداء بالقرآن ، وعملا بالحديث المشهور « بني الإسلام على خمس » فإنه قدم الزكاة فيه على الصوم ، والصوم على الحج وهي رواية ابن عمر ، وعلى هذا عمل أكثر الفقهاء من أرباب المذاهب المتبوعة ، وذكر الإمام محمد بن الحسن في الجامعين الكبير والصغير الصوم عقيب الصلاة ، واختاره قاضىخان في فتاويه لأن كلّا منهما عبادة بدنية إذ هو ترك الأعمال البدنية أعني الأكل والشرب والجماع . وقد جاء في بعض الأخبار هكذا وذلك فيما رواه الترمذي ، وصححه الحاكم ، وابن حبان من طريق سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في حجة الوداع يقول « اتقوا اللّه وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا ذ أمركم تدخلوا جنة ربكم » . وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين من حديث أبي الدرداء وفيه : « وحجوا بيت ربكم » بدل « وأطيعوا ذا أمركم » ولأن وجود الصوم مقدم على وجود الزكاة لأنه افترض قبلها على الصحيح ، فحيث كان وجوده مقدما على وجودها ناسب أن يكون ذكره أيضا كذلك ليطابق الذكر الوجود ، على أنه قد جاء في بعض روايات حديث ابن عمر السابق تقديم الصوم على الزكاة ، ولكن رجحت الرواية السابقة التي فيها تقديم الزكاة على الصوم ، وتقديم الصوم على الحج لمطابقتها بما في القرآن قال اللّه تعالى :وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ[ الأحزاب : 35 ] على أن المراد بالصابرين والصابرات الصائمون والصائمات ،