وخيب ظنه ، إذ جعل الصوم حصنا لأوليائه وجنة ، وفتح لهم به أبواب الجنة ، وعرفهم أن وسيلة الشيطان إلى قلوبهم الشهوات المستكنة ، وأن بقمعها تصبح النفس المطمئنة ظاهرة الشوكة في قصم خصمها قوية المنة ، والصلاة على محمد قائد الخلق وممهد السنّة
شرح
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا[ الحجرات : 17 ] وامنن عليه به مثله وإعظامها وتعظيمها بمعنى واحد وهو توفيرها وتفخيمها ( بما دفع عنهم كيد الشيطان ) أي خداعه ( وفنه ) أي مكره وتلبيسه ، وأصل الفن النوع والضرب من الشيء ، والجميع فنون . ويقال : هو صاحب فنون لمن عنده حيل وتدابير ، ( وردّ أمله ) بالخسران أي ما كان يؤمله من بني آدم المؤمنين منهم خاصة بإبعاده لهم بالشر ، ( وخيب ظنه ) أي جعل ما كان يظنه منهم خائبا أو جعله خائبا فيما كان يظنه فلم يظفر بما رامه منهم ، ( إذ جعل الصوم ) الذي لا مثل له في العبادات ( حصنا ) أي بمنزلة الحصن الذي يتحصن به من شر الأعداء ( لأوليائه ) وهم عباده المتقون لقوله تعالى :إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ[ الأنفال : 34 ] بالولاية العامة والخاصة قال تعالى :اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا[ البقرة : 257 ] ( وجنة ) أي وقاية ، وفيه تلميح لحديث أبي هريرة عند مسلم « والصوم جنة » . وسيأتي ، وأصل الجنة ما يتوقى به من الأعادي ، والجمع جنن وللصوم شبه تام بالتوحيد من حيث أن كلّا منهما أمر باطني لا يطلع عليه إلا اللّه تعالى ، ومن حيث أن كلّا منهما حصن من الأعداء والعذاب ، أما الصوم فحديث أبي هريرة السابق ، وأما التوحيد فما رواه أهل البيت :
« لا إله إلا اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي » ( وفتح لهم به أبواب الجنة ) أشار به إلى ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة « إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة » وسيأتي . وبين الجنة والجنة جناس ، ( وعرفهم ) تعريفا إلهاميا أو تعليميا بواسطة سفرائه الكرام عليهم السلام ( أن وسيلة ) عدوهم ( الشيطان ) في التوصل ( إلى قلوبهم ) بقلبها عن وجهها هي ( الشهوات ) الخفية ( المستكنة ) أشار بذلك إلى ما ورد في الخبر : « إن الشيطان يجري من بني آدم مجرى الدم فسدوا مجاريه بالجوع والعطش » أي هذه الأسباب معينة له على ما يريده من الإنسان من التصرف في الفضول ، وهو ما زاد عن التصرف المشروع ، والشهوات هي المشتهيات والمستلذات التي لا تتمالك النفس عنها ، ( وأن بقمعها ) أي دفع تلك الشهوات الخفية ( تصبح النفس المطمئنة ) وهي التي سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب لسبب معارضة الشهوات ( ظاهرة الشوكة ) أي غالبتها والشوكة شدة البأس ( في قصم ) أي قطع ( خصمها ) وهو الشيطان الذي يعارضها بالشهوات وبين الخصم والقصم جناس ، ( قوية المنة ) بضم الميم من الأضداد يطلق على القوة وعلى الضعف قاله ابن القطاع . فإن أريد بها معنى القوة فلا بد من التجريد كما لا يخفى ، ( والصلاة على سيدنا محمد قائد الخلق ) أي سائقهم إلى الحشر ، وبه سمي الحاشر إذ يحشر الناس على قدمه ، وقائد الغر المحجلين من أمته خاصة إلى الجنة أو أن المراد بالقائد الرئيس ، فهو صلّى اللّه عليه وسلم رئيس الخلق وسيدهم على الإطلاق ، ( وممهد السنة ) أي مسهلها لسالكيها . والسنة الطريقة المسلوكة والمراد بها سنة اللّه وهي طريقة حكمته وطاعته ،