هذا بين الزكاة وبين الصدقة فإذا كان صاحب الصدقة لا يتصدق بذلك المال لو لم يأخذه هو فليأخذ الصدقة فإن الزكاة الواجبة يصرفها صاحبها إلى مستحقها ففي ذلك تكثير للخير وتوسيع على المساكين ، وإن كان المال معرضا للصدقة ولم يكن في أخذ الزكاة تضييق على المساكين فهو مخير والأمر فيهما يتفاوت ، وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس وإذلالها في أغلب الأحوال واللّه أعلم .
كمل كتاب أسرار الزكاة بحمد اللّه وعونه وحسن توفيقه ، ويتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب أسرار الصوم والحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى الملائكة والمقربين من أهل السماوات والأرضين ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين والحمد للّه وحده وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
شرح
ينظر ، ( فإذا كان صاحب الصدقة لا يتصدق بذلك المال لو لم يأخذ هو ) وعلم ذلك منه بالقرينة الصارفة إليه ، ( فليأخذ الصدقة ) بلا حرج ( فإن الزكاة الواجبة يصرفها صاحبها إلى مستحقها ) من الأصناف الثمانية ، ( ففي ذلك تكثير للخير ) وإعانة للمعطي عليه ، ( وتوسيع للمساكين ) أي لا تقع المزاحمة حينئذ ، ( وإن كان المال ) المعطى ( معرضا للصدقة ) أي على سبيلها ولا بد من إخراجها ، ( ولم يكن في أخذ الزكاة تضييق على المساكين ) ولا مزاحمة ( فهو ) أي الآخذ ( مخير ) إن شاء أخذ منها وإن شاء منه ، ( والأمر فيهما يتفاوت ) بتفاوت الأحوال والأشخاص والأوقات ، ( وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس ) عن شهواتها ومعانيها الخبيثة ( و ) أقوى في ( إذلالها في أغلب الأحوال ) ، ونقل هذا السياق النووي عن المصنف في آخر كتاب الزكاة من الروضة مختصرا ، وأما صاحب القوت فإنه بعد ما نقل مذهب الفريقين قال : والأمر في ذلك عندي أن من لم يأخذ من كل إنسان ولا في كل أوان ولم يقبلها إلا عند الحاجة وما لا بدّ له منه ، ثم قام بحكم اللّه تعالى في الواجب حكمه في التطوع أن الحالين يتقاربان لأن الواجب أمر اللّه تبارك وتعالى فيه حكم ، والتطوع ندب ، وله عز وجل فيه حكم ، فعلى العبد أن ينظر لدينه ويحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت من الحكم من أيهما كان ، فسواء ذلك ولا ينظر بظلمة النفس في هوى الحظ ففي ذلك سلامته ، ( واللّه أعلم ) اه .
وبه تم ما أوردناه من شرح كتاب أسرار الزكاة للإمام أبي حامد الغزالي قدس سره بحمد اللّه تعالى وحسن توفيقه وعونه ومدده ، والحمد للّه الذي تتم به الصالحات ، وذلك عند أذان ظهر يوم الاثنين لأربع مضين من صفر الخير سنة 1198 ، قاله العبد المقصر أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني وفقه اللّه لما يحبه ويرضاه حامدا للّه ومصليا ومسلما على نبيه ومستغفرا ومحسبلا بلغ مراجعة في غرة ربيع الثاني سنة 1198 وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .