وتتعطل ، وعلى الجملة فالأخذ في الملأ والردّ في السر أحسن المسالك وأسلمها ، فلا ينبغي أن يدفع بالتزويقات إلا أن تكمل المعرفة بحيث يستوي السر والعلانية . وذلك هو الكبريت الأحمر الذي يتحدث به ولا يرى . نسأل اللّه الكريم حسن العون والتوفيق .
شرح
العمر ) أي تذهب عبادته هباء بلا نفع ( وتتعطل ، وعلى الجملة ) من هذا التفصيل ( فالأخذ من الملأ ) علانية ( والردّ في السر أحسن المسالك وأسلمها ) للنفس لأنهم قالوا في التوحيد :
إن الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للرد عليه في الظاهر ، ( فلا ينبغي أن يدفع بالتزويقات ) أي التوجيهات المموهة ( إلا أن تكمل المعرفة ) فيصح القصد وتنفذ مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول ( بحيث يستوي ) عنده ( السر والعلانية ) ، فهذا إن قبلت منه علانيته صلح ، وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره إلى مولاه فيما وفقه له وتولاه فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه . ( وذلك هو الكبريت الأحمر ) والإكسير الأكبر الذي المثقال منه يصبغ الجبال ، ومثل هذا ( يتحدث به ) في الألسنة والكتب ( ولا يرى ) فهو رابع الغول والعنقاء والخل الوفي وباللّه التوفيق .
وقد أشار النووي في آخر كتاب الزكاة من الروضة إلى هذا التفصيل نقلا عن المصنف فقال :
وذكر أيضا يعني المصنف اختلاف الناس في إخفاء أخذ الصدقة وإظهارها أيهما أفضل ، وفي كل واحد فضيلة ومفسدة ، ثم قال : على الجملة الأخذ في الملأ وترك الأخذ في السر أحسن اه .
ثم إن المصنف لخص هذا السياق الذي في الفصل بتمامه من كتاب القوت وزاد عليه ، وقد ذكر صاحب القوت في هذا التفصيل أربعة أنواع ، وأنا ألخصه لك بالاختصار قال : وفصل الخطاب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول : فرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله فعلى المعطي الإخفاء جهده ، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك فكانت هذه آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه ، وعلى الآخذ أن يذكر وينشر فإن كتم فقد ترك ماله والإخلاص في عمله ونقص ، وكانت آفة من آفات نفسه وبابا من دنياه فإن كانت له نية في إخفاء العطاء لما يوجبه الوقت ويقتضيه السبب من أجل المعطي بخلاص عمله أو من أجل الحاضرين بصلاح قلوبهم وسكون نفوسهم ونفسه ، فالأدب والمعاونة لأخيه على الفضل في إخفاء السبب لم يضره الكتم فيكون إذ ذاك فاضلا فيما دبره بموافقة العلم . وروينا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قيل له إن فلانا أعطيته دينارا فأثنى بذلك وشكر ، فقال : لكن فلانا أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أن في الشكر والثناء تحريضا على المعروف ، وأنه خلق من أخلاق الربوبية أحبه اللّه عز وجل من نفسه فيشكر للمنفقين صنعهم وهو الرازق وأحبه من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم وأن يشهدوا فيه الأول .
النوع الثاني : من التفصيل : أن على المعطي أن لا يحب أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقتضيك ذلك ويحبه منك ، فهذا يدل على نقصان علمه فترك الثناء على مثله أفضل ، فإن شكر له وأظهر عطاءه فقد أعانه على ظلم نفسه وقوى آفاتها إذ هو ظالم من حيث لا يعلم .