إلى المعطي ولا إلى من يرغب في عطائه ، وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في إخفائها وعادتهم أنهم لا يعطون إلّا من يخفي ولا يشكر ، فإن استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنّة في الشكر والتحدث بالنعمة ، وإلّا فهو مغرور ، ثم إذا علم أن باعثه السنّة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي فينظر فإن كان هو ممن يحب الشكر والنشر ، فينبغي أن يخفي ولا يشكر لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه الشكر ظلم ، وإذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فعند ذلك يشكره ويظهر صدقته . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم للرجل الذي مدح بين يديه : « ضربتم عنقه لو سمعها ما أفلح » مع أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يثني على قوم في
شرح
لا ينتهي الخبر إلى المعطي ولا إلى من يرغب في عطائه ) ويحتفل به ، ( وبين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية ويرغبون في إخفائها وعادتهم أنهم لا يعطون إلا من يخفي ) خبر العطية ( ولا يشكر ) بلسانه ، ( فإن استوت هذه الأحوال عنده ) دل على صحة قصده وإخلاص نيته فيه ونفاذ مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول ، ( فليعلم أن باعثه هو إقامة السنّة في الشكر والتحدث بالنعمة ) الواصلة إليه من يد هذا المعطي ، ( وإلا فهو مغرور ) بخدع الشيطان ، ( ثم إذا علم أن باعثه السنّة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي فينظر ) وفي نسخة فلينظر ، ( فإن كان هو ممن يحب الشكر ) ويقتضيه منك على عطيته ( والنشر ) بالجميل ، ( فينبغي أن يخفي ) عطيته ( ولا يشكر ) وهو يدل على نقصان علم المعطي وقوة آفات نفسه ، فترك الثناء على هذا والكتم من الآخذ أفضل ، ( لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم وطلبه للشكر ظلم ) فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه وقد قويت آفات نفسه ، ( وإذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر ) والثناء ( ولا يقصده فعند ذلك يشكره ) ويثني عليه ( ويظهر صدقته ) ويتحدث بها ، ثم من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده واعتورته الآفات من التزين والتصنع ، فمثل هذا لا يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على معصيته ، وهذا أيضا لا يصلح أن يثنى عليه ، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به كان ذلك مفسدة له واغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه ، فمن مدح هذا فقد قتله ، ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه وإلى هذا أشار المصنف بقوله :
( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم للرجل الذي مدح بين يديه : « ضربتم عنقه ) ولفظ القوت : مدح رجل رجلا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « ضربت عنقه » قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي بكرة بلفظ « ويحك قطعت عنق صاحبك » وزاد الطبراني في رواية : « واللّه ( لو سمعها ما أفلح » ) أبدا ، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه ، وله نحوه من حديث أبي موسى اه .
قلت : لفظ الطبراني في معجمه الكبير « أخيك » بدل « صاحبك » وفيه بعد قوله : أبدا « إذا أثنى أحدكم على أخيه فليقل إن فلانا ولا أزكي على اللّه أحدا » ( مع أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يثني على