فما يعطى في الملأ مكروه إلا برضا جميعهم ولا يخلو عن شبهة ، فإذا انفرد سلم من هذه الشبهة .
إما الإظهار والتحدث به ففيه معان أربعة :
الأوّل : الإخلاص والصدق والسلامة عن تلبيس الحال والمراءاة .
والثاني : إسقاط الجاه والمنزلة وإظهار العبودية والمسكنة والتبري عن الكبرياء ، ودعوى الاستغناء واسقاط النفس من أعين الخلق . قال بعض العارفين لتلميذه : أظهر
شرح
بمنحة اللبن أن يعير أخاه ناقته أو شاته يحلبها مرة ثم يردها ، وأما قوله : أو أهدى كذا وقع في بعض نسخ المغني وفي بعضها هدى بالتخفيف من الهداية ، وفي بعضها هدأ من التهدئة للمبالغة من الهداية ، أو في الهدية . والمراد بالزقاق بالضم الطريق الضيق أي يرشد ضالا أو أعمى على طريقه ، أو المعنى تصدق بزقاق من النخل وهو السكة والصف من شجره ، وقيل : الرواية زقاق بالكسر جمع زق وهو السقاء ، وهكذا رأيته في حاشية المغني وهي نسخة قرئت على المصنف ، ولم يظهر لي معنى إهداء الزقاق إلا أن يكون المراد به زقاقا ملىء من اللبن أو من العسل أو من السمن فتأمل .
وقال القاضي أبو بكر في شرح الترمذي : ومن أسلف رجلا دراهم فهي أيضا منحة ، وفي ذلك ثواب كثير لأن إعطاء المنفعة مدة كإعطاء العين وجعله كعتق رقبة لأنه خلصه من أسر الحاجة والضلال كما خلص الرقبة من أصل الرق ، وللباري تعالى أن يجعل القليل من العمل كالكثير ، فإن الحكم للّه العلي الكبير انتهى .
( فجعل الورق هدية ) وإنما كان أفضل لأنه قيم الأشياء ( فانفراده بما يعطى في الملأ ) جهرا ( مكروه ) لأنه يلزمه الاشتراك للحاضرين فيها فيكره انفراده ( إلا برضا جميعهم ) أي أن يهبوا ذلك فإن لم يفعلوا فالكراهة باقية ، ( ولا يخلو عن شبهة ) في تلك العطية ، ( فإذا انفرد ) عن الناس في خلوة ( سلم عن هذه الشبهة ) فهذا ما قيل في إخفاء الصدقات .