عن الحاجة ، وخروج عن هيئة التعفف والتصوّن المحبوب الذي يحسب الجاهل أهله
أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ
[ البقرة : 273 ] .
الثاني : أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم ، فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه آخذ مع الاستغناء أو ينسبونه إلى أخذ زيادة ، والحسد وسوء الظن والغيبة من الذنوب الكبائر وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى . وقال أبو أيوب السختياني : إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسدا . وقال بعض الزهاد : ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين له هذا ؟ وعن إبراهيم التيمي :
شرح
تكلف العفة وهي كف ما يبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه ، ( والتصون ) أي التحفظ ( المحبوب الذي يحسب الجاهل ) ببواطن الأمور ( أهله ) الموسومين به( أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ )أي من كفهم لما لا ينبغي تناوله أشار به إلى الآية المذكورة في شأنهم ثم قاللا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً[ البقرة : 273 ] وقد تقدم معناه .
( الثاني ) : وهو ملاحظة بعضهم ( أنه أسلم لقلوب الناس وألسنتهم ) وأصلح ( فإنهم ربما يحسدونه ) فيما أخذ دونهم ( أو ينكرون عليه أخذه ) باللسان ومنشؤه الحسد الباطن ، ( ويظنون أنه أخذه مع الاستغناء ) وانه غير محتاج إليه ، ويزعمون أن الصدقة وقعت في غير موضعها ، ( أو ينسبونه إلى أخذ زيادة على قدر الحاجة ) ففيه مع الحسد سوء ظن بأخيه وكلامه فيه بما لا يليق داخل في حد الغيبة ، بل ربما أداه إلى البهت فيه . ( ومعلوم أن الحسد وسوء الظن والغيبة ) والنميمة ( من ) جملة ( الذنوب الكبائر ) أعاذنا اللّه منها ، ( وصيانتهم عن هذه الجرائم أولى ) ، ثم ذكر عن بعض السلف من أحوالهم ومراعاتهم في ذلك بما يؤكد على هذا ، فقال :
( قال أيوب السختياني ) هو أيوب بن أبي تميمة البصري أبو بكر سيد شباب أهل البصرة وأشد الناس اتباعا للسنّة تابعي جليل ثقة ورع عابد مات سنة 131 روى له الجماعة : ( إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد ) أي : فيقولون من أين له هذا ، ويظنون ما لا يليق أي فلا أكون سببا لإحداث هذا الوصف الذميم فيهم .
( وقال بعض الزهاد : ربما تركت استعمال الشيء ) لبسا أو ركوبا أو غير ذلك ( لأجل ) حفظ سرائر ( إخواني ) وهم أعم من المجاورين وغيرهم . ( يقولون ) في أنفسهم من باب الظن :
( من أين له هذا ) ومن أعطاه كذا ؟ نقله صاحب القوت .
( وعن إبراهيم التيمي ) وهو إبراهيم بن يزيد بن شريك أبو أسماء الكوفي من تيم الرباب كان من العباد كان يمكث ثلاثين يوما لا يأكل . روى عن عائشة مرسلا ، وعن أنس وعمرو بن ميمون . وعنه الأعمش وجماعة . وقال المحاربي : حدثنا الأعمش قال لي إبراهيم التيمي : ما أكلت