شرح
يستقل العقل بإدراكها وهي بالنسبة إلى هذه المعرفة نازلة فإنها تثبت بحكم العقل ، وهذه تثبت بالإخبار الإلهي وهو بكل وجه أعلم بنفسه منا ، والكرم العطاء بعد السؤال حقا وخلقا والجود العطاء قبل السؤال حقا لا خلقا ، فإذا نسب إلى الخلق فمن حيث أنه ما طلب منه الحق هذا الأمر الذي عينه الخلق على التعيين ، وإنما طلب منه الحق أن يتطوّع بصدقة وما عين فإذا عين العبد ثوبا أو درهما أو دينارا أو ما كان من غير أن يسأل في ذلك فهو الجود خلقا ، وإنما قلنا لا خلقا في ذلك لأنه لا يعطي على جهة القربة إلا بتعريف إلهي ، فلهذا قلنا حقا لا خلقا ، وإذا لم يعتبر الشرع في ذلك فالعطاء قبل السؤال لا على جهة القربة موجود في العالم بلا شك ، ولكن غرض الصوفي أن لا يتصرف إلا في أمر يكون قربة ولا بدّ فلا مندوحة له في مراعاة حكم الشرع في ذلك ، والسخاء العطاء على قدر الحاجة من غير مزيد لمصلحة يراها المعطي إذ لو زاد على ذلك ربما كان فيه هلاك المعطى له . قال تعالى :وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ[ الشورى : 27 ] والإيثار إعطاء ما أنت محتاج إليه في الوقت أو توهم الحاجة إليه قال تعالى :وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ[ الحشر : 9 ] وكل ما ذكرناه من العطاء فأمه الصدقة في حق العبد لكونه مجبولا على الشح والبخل ، كما أن الأم في الأعطيات الإلهية من هذه الأقسام الثمانية إنما هو الوهب وهو الإعطاء لينعم لا لأمر آخر فهو الوهاب على الحقيقة في جميع أنواع عطائه كما هو عليه العبد متصدق في جميع إعطائه لأنه غير مجرد عن الغرض وطلب العوض لفقره الذاتي ، فما ينسب إلى اللّه بحكم العرض ينسب إلى المخلوق بالذات ، وما ينسب إلى الحق بالذات كالغنى ينسب إلى المخلوق بالعرض النسبي الإضافي خاصة ، قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم :خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً[ التوبة : 103 ] أي ما يشتد عليهم في نفوسهم إعطاؤها ، فالصدقة أصل كوني والوهب أصل إلهي ، فما فرض اللّه الزكاة وأوجبها وطهر بها النفوس من الشح والبخل إلا لهذا الأمر المحقق ، فالفرض منها أشد على النفوس من صدقة التطوّع للجبر الذي في الفرض ، والاختيار الذي في التطوّع واللّه أعلم .
الثاني : صدقة التطوّع صدقة عبودية اختيار مشوبة بسيادة ، وإن لم تكن هكذا وإلّا فما هي صدقة تطوع ، فإنه أوجبها على نفسه إيجاب الحق الرحمة على نفسه لمن تاب وأصلح من العاملين السوء بجهالة ، فهذه ربوبية مشوبة بحكم عليها ، فإن اللّه لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه على نفسه من حيث ما هو موجب ، فمن أعطى بهذا الوجوب من هذه المنزلة فلو فرضنا أن هذه المرتبة الإلهية إذا فعلت مثل هذا ما يكون ثوابها ذلك الثواب بعينه يكون للعبد المصدق بالتطوّع ، فإنه من ذلك المقام يعطيه الحق إذا كان هذا شربه ، وهذه مسألة ما رأيت أحدا قبلي نبه عليها وإن كان قد أدركها ، فإنه لا بدّ لأهل اللّه أن يدركوا مثل هذا ، ولكن قد لا يجريه اللّه على أنفسهم أو يتعذر على بعضهم العبارة عن ذلك ، وبهذا الاعتبار تعلو صدقة التطوّع على صدقة الفرض ابتداء ، فإن هذا التطوع أيضا قد يكون واجبا بإيجاب اللّه حيث أوجبه العبد على نفسه فأوجبه اللّه عليه كالنذر ، فإن اللّه أوجبه بايجاب العبد . قال الاعرابي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في