تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
شرح
أمانة فإن أمثال هذا لا ينتفع بها خالقها ، وإنما يستحقها من خلقت من أجله وهو المخلوق فهي عند اللّه من اللّه أمانة لهذا العبد يؤديها إليه إما منه إليه وإما على يد عبد آخر هذا أطيب الصدقات ، فإذا حصلت في يد المتصدق عليه أخذها الرحمن بيمينه ثم أعطاه إياها ، فمثل هذه الصدقة إذا أكلها المتصدق عليه أثمرت له نورا ويراها في الآخرة في ميزانه وفي ميزان من أعطاه فيقال له : هذه ثمرة صدقتك فقد عادت بركتها عليك وعلى من تصدقت عليه ، فإن صدقتك على زيد هي عين صدقتك على نفسك فإن خيرها عليك يعود ، وأفضل الصدقات ما يتصدق به الإنسان على نفسه فيحضر هذا المتصدق على أكمل الوجوه في نفسه ، فمثل هذه الصدقة لا يقال لمعطيها يوم القيامة من أين تصدقت ولا لمن أعطيت ، فإنه بهذه المثابة فإن كان الآخذ مثله في هذه المرتبة تساويا في السعادة وفضل المتصدق بدرجة واحدة لا غير ، وإن لم يكن بهذه المثابة فيكون بحيث الصفة التي يقيمه اللّه فيها ، فإن كانت الصدقة صدقة تطوّع فهي منة إلهية كونية فإن كانت زكاة فرض فهي منة إلهية ، فإن كانت نذرا فهي إلهية كونية قهرية ، فإن النذر يستخرج به من البخيل وإن كانت هذه الأعطية هدية . فما هو من هذا الباب فإنه مخصوص بإعطاء ما هو صدقة لا غير ، فتكبر هذه الصدقة في كف الرحمن حسا ومعنى ، فالحس منها من حيث ما هي محسوسة فيجدها في الجنة حسية المشهد مرئية بالبصر ، والمعنى منها من حيث ما قام به من الكسب الحلال والتقوى فيه والمسارعة بها وطيب النفس بها عند خروجها ومشاهدته ما ذكرناه من الشؤون الإلهية فيها فيجدها في الكتب عند المشاهدة العامة ويجدها في كل زمان يمر عليه الموازن لزمن إخراجها وهو في الجنة ، فيختص من اللّه بمشهد في عين جنته لا يشهده إلا من هو بهذه المثابة ، وكل من نزل عن صدقته عن هذه الدرجة كانت منزلته عند اللّه بمنتهى علمه وقصده ، والصدقة لا تكون إلا من الاسم الغني الشاكر ذي القوّة المتين بطريق الامتنان غير طالب للشكر عليها ، فإن اقترن معها طلب الشكر فليست من الاسم الغني ، بل من الاسم المريد الحكيم العالم ، فإن خطر للمتصدق أن يقرض اللّه قرضا حسنا بصدقته تلك مجيبا لأمر اللّه ، فهذا الباب أيضا يلحق بالصدقة لكونه مأمورا بالقرض ، وقد يكون نفس الزكاة الواجبة فإن طلب عوضا زائدا ينتفع به على ما أقرض خرج عن حده قرضا ، وكانت صدقته غير موصوفة بالقرضية فإنه لم يعط القرض المشروع ، فإن اللّه تعالى لا ينهى عن الربا ويأخذه منا . كذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن كل قرض جر منفعة فهو ربا ، وهو أن يخطر له هذا عند الإعطاء فلا يعطيه إلا لهذا وللمعطى الذي هو المقترض أن يحسن في الوفاء ويزيد فوق ذلك ما شاء من غير أن يكون شرطا في نفس القرض ، فإن اللّه يعاملنا بما شرع لنا لا بغير ذلك . ألا تراه قد أمر نبيه أن يسأله يوم القيامة أن يحكم بالحق الذي بعثه به بين عباده وبينه ، فقال له : قل رب احكم بالحق ، والألف واللام للحق المعهود الذي بعث به ، وعلى هذا تجري أحوال الخلق يوم القيامة ، فمن أراد أن يرى حكم اللّه يوم القيامة فلينظر إلى حكم الشرائع الإلهية في الدنيا حذوك النعل بالنعل من غير زيادة ولا نقصان ، فكن على بصيرة من شرعك فإنه عين الحق الذي إليه مالك ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 276 | مرتضى الزبيدي