شرح
ومع هذه المحتملات يعمى الإنسان ويعطي ماله وينتظر ما لا يقطع بحصوله وهو طيب النفس مع وجود الأجل والتأخير والاحتمال فإذا قيل له أقرض اللّه وتأخذ في الآخرة أضعافا مضاعفة بلا ثلث ولا نصف بل الربح ورأس المال كله لك وما تصبر إلّا قليلا وأنت قاطع بحصول ذلك كله تأبى النفس وما تعطي إلا قليلا ، فهل ذلك كله إلا من عدم حكم الإيمان على الانسان في نفسه حيث لا يسخو بما تعطيه جبلته من السخاء به ، ويقارض زيدا وعمرا كما ذكرنا طيب النفس والموت أقرب إليه من شراك نعله ، ولهذا سماها اللّه صدقة أي هو أمر شديد على النفس أي تجد النفس لإخراج هذا المال للّه شدة وحرجا ، كما قال ثعلبة بن حاطب أو غيره في الزكاة إنها أخت الجزية فأعقبه اللّه لهذه الكلمة نفاقا في قلبه إلى يوم القيامة ، فلم يقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صدقته بعد ذلك لما جاء بها حين بلغه ما أنزل فيه ، وسبب ذلك أن اللّه تعالى أخبر في حقه أنه يلقاه منافقا ، والصدقة إذا أخذها النبي صلّى اللّه عليه وسلم طهره بها وزكاه وصلى عليه ، وكانت صلاته سكنا يسكن المتصدق إليها ، وهذه أوصاف كلها تناقض النفاق ، وما يجده المنافق عند اللّه فلم يتمكن لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يأخذ منه الصدقة لما جاء بها بعد منعها .
وقوله ما قال وامتنع منها أيضا فلم يأخذها منه حين جاء بها أبا بكر في خلافته وعمر وأخذ منه عثمان الصدقة متأوّلا أنها حق الأصناف الذين أوجب اللّه لهم هذا القدر في غير هذا المال ، وهو من جملة ما انتقد عليه ، وينبغي للمجتهد أن لا ينتقد عليه في حكم إذا أداه إليه اجتهاده ، فإن الشرع قد قدر حكم المجتهد ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم ما نهى أحدا أن يأخذ من هذا الشخص صدقته ، وقد ورد الأمر بإخراج الزكاة وحكم النبي في هذه الأمور قد يقارن حكم غيره ، وقد يختص صلّى اللّه عليه وسلم من ذلك بأمور لا تلزم الغير لخصوص وصف تقتضيه النبوّة ، فمن شاء وقف لوقوفه ، ومن شاء لم يقف ومضى لأمر اللّه العام في ذلك ، إذ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم ينه أحدا ولا أمره فيما توقف فيه واجتنبه ، فساغ الاجتهاد وراعى كل مجتهد ما غلب على ظنه ، فمن خطّأ عثمان فما وافى المجتهد حقه ، فإن المصيب والمخطىء واحد لا بعينه . هذا ، وقد علمت أن الزكاة من حيث هي صدقة شديدة على النفس ، فإذا أخرجها الإنسان تضاعف له الأجر ، وإن أخرجها من غير مشقة فمثل هذا فوق تضاعف الأجر بما لا يقاس ولا يحد .
وأما أمره سبحانه أن نقرضه قرضا حسنا فالإحسان في العمل أن تشاهد اللّه فيه ، وهو أن يعلم أن المال مال اللّه وما ملكته إلا بتمليك اللّه وبعد التمليك نزل إليك في ألطافه لباب المقارضة يقول لك لا يغيب عنك طلبي منك القرض في هذا المال ما تعرفه من أن المال هو عين مالي ما هو مالك فكما لا يعز عليك ولا يصعب إذا رأيت أحدا يتصرف في ماله كيف شاء ، كذلك لا يعز عليك ولا يصعب ما أطلبه منك مما جعلتك مستخلفا فيه عن معرفتك بأني ما طلبت منك إلا ما هو مالي لأعطيه لمن أشاء من عبادي ، فإن هذا القدر من الزكاة ما أعطيته قط لك بل أمنتك عليه ، والأمين لا يصعب عليه أداء الأمانة إلى أهلها ، فإذا جاءك المصدق الذي هو وكيل أرباب الأمانات فأدّ إليه أمانته عن طيب نفس ، فهذا هو القرض الحسن .