إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 271
الفصل الرابع في صدقة التطوّع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها الفصل الرابع في صدقة التطوّع وفضلها وآداب أخذها وإعطائها الصدقة اسم من تصدقت على الفقراء والجمع الصدقات ، وتصدق بكذا أعطاه صدقة والفاعل متصدق ، ومنهم من يخفف بالبدل والإدغام فيقول : مصدق . قال ابن قتيبة : ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم هو يتصدق إذا سئل وذلك غلط ، وإنما المتصدق المعطي . وفي التنزيل وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا [ يوسف : 88 ] وأما المصدق فهو الذي يأخذ صدقات النعم كذا في المصباح . واختلف في اشتقاقها فقيل من قولهم رمح صدق أي صلب سميت به لأن خروجها عن النفس بشدة وكراهية ، وقيل فيها غير ذلك كما ستأتي الإشارة إليه ، وقال أبو الحسن الحراني : الصدقة الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث أن الرزق غيب ، وقال ابن الكمال : هي العطية يبتغي بها المثوبة من اللّه ، وقال الراغب : هو ما يخرجه الإنسان من ماله على وجه القربة كالزكاة ، لكن الصدقة في الأصل يقال للمتطوع به والزكاة للواجب ، ويقال لما يسامح به الإنسان من حقه تصدق به نحو قوله فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : 45 ] وقوله وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [ البقرة : 280 ] فإنه أجرى ما يسامح به المحسن مجرى الصدقة ومنه قوله فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ [ النساء : 92 ] إلا أن يصدقوا فسمى إعفاءه صدقة ، وقوله في الحديث : « ما أكلت العافية صدقة » والتطوع لغة تكلف الطاعة وعرفا التبرع بما لا يلزم كالنفل ، قال تعالى : فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ [ البقرة : 184 ] ذكره الراغب . وقال ابن الكمال : التطوع اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجب هذا ما يتعلق بالظاهر ، وأما ما يتعلق بأسرارها فقد قال اللّه تعالى آمرا عباده : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ المزمل : 20 ] فالقرض هنا صدقة التطوّع ، وورد الأمر بالقرض كما ورد باعطاء الزكاة ، والفرق بينهما أن الزكاة مؤقتة بالزمان والنصاب ، والأصناف الذين تدفع إليهم والقرض ليس كذلك ، وقد تدخل الزكاة هنا في