تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
شرح
القرض فكأنه يقول : وآتوا الزكاة قرضا للّه بها فيضاعفها لكم ، فالقرض الذي لا يدخل في الزكاة غير مؤقت لا في نفسه ولا في الزمان ولا بصنف من الأصناف ، والزكاة المشروعة والصدقة لفظتان بمعنى واحد قال تعالىخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها[ التوبة : 103 ] وقال تعالى :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ[ التوبة : 60 ] فسماها صدقة فالواجب منها يسمى زكاة وصدقة ، وغير الواجب يسمى صدقة التطوّع ولا يسمى زكاة شرعا أي لم يطلق عليه الشرع هذه اللفظة مع وجود المعنى فيها من النموّ والبركة والتطهير في الخبر الصحيح أن الأعرابي لما ذكر للنبي صلّى اللّه عليه وسلم أن رسوله زعم أن علينا صدقة في أموالنا وقال له صلّى اللّه عليه وسلم « صدق » فقال الأعرابي : هل علي غيرها : فقال « لا . إلا أن تطوّع » . فلهذا سميت صدقة التطوّع يقول إن اللّه لم يوجبها عليكم فمن تطوّع خيرا فهو خير له ، ولهذا قال تعالى بعد قوله :وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ[ المزمل : 20 ] وإن كان الخير كل فعل مقرب إلى اللّه من صدقة وغيرها ، ولكن مع هذا فقد انطلق على المال خصوصا اسم الخير . قال تعالى :وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً[ المعارج : 21 ] وقال تعالىإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[ العاديات : 8 ] يعني المال هنا وجعل الكرم فيه تخلقا لا خلقا حيث قال :وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ[ الحشر : 9 ، والتغابن : 16 ] ولهذا سماها صدقة أي كلفة شديدة على النفس لخروجها عن طبعها في ذلك ، ولذا آنسها الحق تعالى بأنها تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل ، وأنه يربيها كما يربي أحدكم فصيله حتى تربو ، فتكون المنة للّه على السائل لا للمتصدق ، فإن اللّه تعالى طلب منه القرض والسائل ترجمان الحق في طلب هذا القرض ، فلا يخجل السائل إذا كان مؤمنا من المتصدق ولا يرى أن له فضلا عليه ، فإن المتصدق إنما اعطى للّه للقرض الذي سأله ، وليربيها له فهذا من الغيرة الإلهية والفضل الإلهي والأمر الآخر ليعلمه أنها مودعة في موضع تربو له فيه وتزيد . كل هذا ليسخو باخراجها ويتقي شح نفسه ، وفي جبلة الانسان طلب الأرباح في التجارة ونمو المال ، فلهذا جاء في الخبر : « إن اللّه تعالى يربي الصدقات » ليكون العبد في إخراج المال من الحرص عليه الطبيعي لأجل المعاوضة والزيادة والبركة بكونه زكاة كما هو في جميع المال وشح النفس من الحرص عليه الطبيعي ، فوفق اللّه به حيث لم يخرجه عما جبله اللّه عليه ، فيرى التاجر يسافر إلى الأماكن القاصية الخطرة المتلفة للنفوس والأموال ويبذل الأموال ويعطيها رجاء في الأرباح والزيادة ونمو المال وهو مسرور النفس بذلك ، فطلب اللّه منه المقارضة بالكل إذ قد علم منه أنه يقارض بالثلثين والنصف ، فيكون قرضه بمن يقارضه بالكل أتم وأعظم ، فالبخيل بالصدقة بعد هذا التعريف الإلهي وما تعطيه جبلة النفوس من تضاعف الأموال دليل على قلة الإيمان عند هذا البخيل مما ذكرناه . إذ لو كان مؤمنا على يقين من ربه مصدقا له فيما أخبر به عن نفسه في قرض عبده وتجارته لسارع بالطبع إلى ذلك كما يسارع به في الدنيا مع إشكاله عاجلا وآجلا ، فإن العبد إذا قارض إنسانا بالنصف أو بالثلث وسافر المقارض إلى بلد آخر وغاب سنين وهو في باب الاحتمال أن يسلم أو يهلك أو لا يربح شيئا ، وإذا هلك المال لم يستحق في ذمة المقارض شيئا ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 272 | مرتضى الزبيدي