الثالثة : أنه ينظر فيما يأخذه فإن لم يكن من حل تورع عنه
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
[ الطلاق : 2 ، 3 ] ولن يعدم المتورع عن الحرام فتوحا من الحلال فلا يأخذ من أموال الأتراك والجنود وعمال السلاطين ومن أكثر كسبه من الحرام ، إلا إذا ضاق الأمر عليه وكان ما يسلم إليه لا يعرف له مالكا معينا فله أن يأخذ بقدر الحاجة ، فإن فتوى الشرع في مثل هذا أن يتصدق به على ما سيأتي بيانه في
شرح
( الثالثة أن ينظر ) الآخذ ( فيما يأخذه فإن لم يكن ) المأخوذ ( من حله ) أي المعطي أي من حلاله ( تورّع عنه ) أي امتنع من أخذه تورعا فقد قال اللّه تعالى في كتابه العزيز ( ومن يتق اللّه يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) [ الطلاق : 2 ، 3 ] .وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ[ الطلاق : 2 ، 3 ] .
أخرج سعيد بن منصور ، والبيهقي في الشعب ، وابن مردويه ، عن مسروق عن ابن مسعود قال مخرجا « إن يعلم أن اللّه هو يعطيه وهو يمنعه ومن حيث لا يحتسب لا يدري » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية ، عن عبد بن حميد عن قتادة قال مخرجا : « من شبهات الدنيا والكرب عند الموت ومن حيث لا يحتسب لا يؤمل ولا يرجو » .
وأخرج أبو يعلى من طريق عطاء بن يسار ، عن ابن عباس مثله .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن معاذ بن جبل ، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول « أيها الناس اتخذوا تقوى اللّه تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة » ثم قرأ هذه الآية .
( ولن يعدم المتورع عن الحرام ) توكلا على ربه ( فتوحا من الحلال ) يأتي اللّه به من حيث لم يكن يأمله ( فلا يأخذن من أموال الأتراك ) جمع الترك بالضم جيل من الناس الواحد تركي ، ( والجنود ) أي العساكر الذين يستخدمون الأتراك الواحد جندي ، ( وعمال السلاطين ) على جباية أموال البلاد بأنواعهم ( و ) من أهل الكسب أيضا ( من أكثر كسبه ) وتجارته ( من الحرام ) والأولون ، فإن أكثرهم ظالمون وغاصبون بأموالهم كلها من ذلك ، والتاجر الذي كسبه من حرام فسبيل ماله ملحق بهؤلاء ، وإن كان بعض كسبه حلالا وبعضه حراما ، ففي أخذ ما يعطيه وجهان كما سيأتي ، ( إلا إذا ضاق الأمر عليه ) فإنه يتسع ويجوز له الأخذ من أموال هؤلاء ، ( و ) كذا إذا ( كان ما يسلم إليه ) من العطاء ( لا يعرف له مالكا معينا ) أي بعينه ، ( فله أن يأخذ ) في هذا الوجه لكن ( بقدر الحاجة ) وعلى سبيل الحاجة ويمتنع عما زاد عن الحاجة ، ( فإن فتوى الشرع ) الظاهر ( في مثل هذا ) أي من وصل ماله إلى هذا القدر ( أن يتصدق به ) ، ومن قواعدهم الأمر إذا ضاق اتسع ( على ما سيأتي في كتاب الحلال والحرام ) بيانه وتفصيله ، ( وذلك إذا عجز عن الحلال ) ولم يمكن الوصول إليه ،