تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
شرح
العبد الموقن يشهد يد مولاه في العطاء فحمده ثم شكر المنفقين إذ جعلهم مولاه سببا وظرفا لرزقه ، فقد أمر المولى بشكر الناس فمن لم يشكرهم لم يطعه في امتثال أمره ، والشكر إنما يتم بمطاوعته فمن لم يطعه لم يكن مؤديا شكره ، وقد وجه البيضاوي في الحديث وجها آخر فقال : لأن من لم يشكر الناس مع ما يرى من حرصهم على حب الثناء على الإحسان فأولى بأن يتهاون في شكر من يستوي عنده الشكران والكفران ، والأول أقرب لسياق المصنف وهو الذي فهمه صاحب القوت وغيره ، ومن ثم اقتصر عليه القاضي أبو بكر بن العربي حيث قال : الشكر في العربية إخبار عن النعمة المسداة إلى المخبر ، وفائدته صرف النعم في الطاعة ، وأصل النعم من اللّه والخلق وسائط وأسباب ، فالمنعم في الحقيقة هو اللّه فله الحمد والشكر ، فالحمد خبر عن حاله ، والشكر خبر عن إنعامه وإفضاله ، لكن أذن في الشكر للناس لما فيه من تأكيد المحبة والألفة اه . قال العراقي : رواه الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد ، وله ولأبي داود وابن حبان نحوه من حديث أبي هريرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح اه . قلت : أخرجه الترمذي في البر ، وأخرجه أحمد وقال الهيثمي : سنده حسن ، والضياء في المختارة ، وابن جرير في التهذيب ، والحرث بن أبي أسامة كلهم من حديث أبي سعيد به مرفوعا . وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه ابن جرير ، وعن جابر أخرجه الطبراني في الكبير ، والديلمي . وعن النعمان أخرجه القضاعي في مسند الشهاب وقد أفرد الحافظ الدمياطي طرقه في جزء كذا قال الحافظ السخاوي في المقاصد . قلت : والمراد بقول العراقي نحوه ، وقول السخاوي في الباب هو حديث « لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس » الذي رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن جرير ، وابن حبان ، وصاحب الحلية ، والبيهقي عن أبي هريرة ، وقد أخرجه الطبراني والضياء من حديث جرير ، وأخرجه هناد والبيهقي من حديث أبي سعيد ، وأخرجه أيضا من حديث الأشعث بن قيس ، وأخرجه الطبراني في الكبير ، والدارقطني في الافراد عن بشر بن أبي المليح عن أسامة عن أبيه عن جده ، قال الدارقطني : تفرد به بشر ولم يرو عنه غير عباد بن سعيد . وأما حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه الطبراني فلفظه : « لا يشكر اللّه عز وجل من لا يشكر الناس والتحدث بنعمة اللّه شكر وتركها كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب » واختلفوا في ضبط هذا الحديث قال ابن العربي روي برفع اللّه والناس وبضمهما ورفع أحدهما ونصب الآخر . قال العراقي : والمعروف المشهور في الرواية بضمهما ويشهد له رواية عبد اللّه بن أحمد « من لم يشكر للناس لم يشكر للّه » اه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 257 | مرتضى الزبيدي