كافأتموه » . ومن تمام الشكر أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ولا يحقره ولا يذمه ولا يعيره بالمنع إذا منع ويفخم عند نفسه وعند الناس صنيعه فوظيفة المعطي الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنة والاستعظام وعلى كل عبد القيام بحقه وذلك لا تناقض فيه إذ موجبات التصغير والتعظيم لا تتعارض . والنافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ويضره خلافه والآخذ بالعكس منه ، وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من اللّه عز وجل ، فإن من لا يرى الواسطة واسطة فقد جهل وإنما المنكر أن يرى الواسطة أصلا .
شرح
وقال العراقي : رواه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر بإسناد صحيح بلفظ : « من صنع » اه .
قلت : وأخرج البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ « من صنع إليه معروف فليكافئ به فإن لم يستطع فليذكره فمن ذكره فقد شكره » وأما لفظ « من أسدى » فهو من حديث آخر أخرجه الشيرازي في الألقاب عن ابن عباس رفعه « من أسدى إلى قوم نعمة فلم يشكروها له فدعا عليهم استجيب » .
( ومن تمام الشكر ) للناس ( أن يستر عيوب العطاء إن كان فيه عيب ) في نفسه ( ولا يحقره ولا يذمه ) فإن تحقير العطاء وتعييبه ينشأ عن جهل وذعارة وسوء نظر في النعمة ، ( ولا يعيّره ) أي المعطي ( عند المنع إذا منع ) ولا يعيبه عند القبض إذا قبض ، فإن المانع والقابض هو اللّه ، كما أن المانح والمعطي هو اللّه ، ( ويفخم ) أي يعظم ( عند نفسه وعند الناس صنيعه ) وذلك تأويل الخبر السابق « من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » إذ فيه التخلق بأخلاق المنعم لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه ، وهذا هو الشكر للناس ، وأما شكر اللّه سبحانه على العطاء فهو اعتقاد المعرفة أنه من اللّه تعالى لا شريك له فيها والعمل بطاعته بها . ( فوظيفة المعطي ) كما سبق ( الاستصغار ووظيفة القابض تقلد المنّة والاستعظام ) لما أعطي ، ( وعلى كل عبد منهم ) من المعطين والقابضين ( القيام بحقه ) الذي ألزمه ، ( وذلك لا تناقض فيه إذ موجبات التصغير والتعظيم لا تتعارض ) لأنها باختلاف النسب والاعتبارات التي ذكرناها آنفا ، ( والنافع للمعطي ملاحظة أسباب التصغير ) ليعرف أنه ليست له في ذلك منّة وما يعطيه قليل وحقير بالنسبة إلى ما يمسكه ( ويضره خلافه ) فإنه لو استعظم عطاءه دخلته الرعونة في النفس والعلوّ على أخيه المسلم ونسبة المنة لنفسه ( والآخذ بالعكس منه ) ، فإنه ينفعه ملاحظة أسباب التعظيم ويضره التحقير ، ( وكل ذلك لا يناقض رؤية النعمة من اللّه عز وجل فإن من لا يرى الواسطة ) في النعمة ( واسطة فقد جهل ) وأخطأ ( وإنما المنكر ) عند الموقنين ( أن يرى الواسطة أصلا ) فحينئذ يسقط شهود رؤية النعمة من اللّه عز وجل ، فهذا مضر للإيمان ومسقط كمال توحيد الواحد المنان .