تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
منتهى النعمة . فحق الفقير أن يعرف قدر نعمة الفقر ويتحقق أن فضل اللّه عليه فيما زواه عنه أكثر من فضله فيما أعطاه - كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه إن شاء اللّه تعالى - فليأخذ ما يأخذه من اللّه سبحانه رزقا له وعونا له على الطاعة ولتكن نيته فيه أن يتقوّى به على طاعة اللّه ، فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه اللّه عز وجل فإن استعان به على معصية اللّه كان كافرا لأنعم اللّه عز وجل مستحقا للبعد والمقت من اللّه سبحانه . الثانية : أن يشكر المعطي ويدعو له ويثني عليه ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يخرجه عن كونه واسطة ولكنه طريق وصول نعمة اللّه سبحانه إليه ، وللطريق حق من حيث جعله اللّه طريقا وواسطة وذلك لا ينافي رؤية النعمة من اللّه سبحانه ، فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » . وقد أثنى اللّه عز وجل على عباده في
شرح
[ النجم : 42 ] ( فحق الفقير أن يعرف قدر نعمة الفقر ) وما خصه اللّه به ، ( ويتحقق أن فضل اللّه تعالى عليه فيما زواه عنه ) أي أبعده ( أكثر من فضله فيما أعطاه ) ويتفرع عنه مسألة هل الفقير أفضل أو الغني الشاكر ؟ ( كما سيأتي في كتاب الفقر تحقيقه وبيانه ، فليأخذ ما يأخذه من ) يد ( اللّه سبحانه ) بواسطة هذا العبد المعطى ( رزقا له ) سيق له بإلهامه وإيجابه ( وعونا على الطاعة ) ليجمع همومه ويجعلها هما واحدا ، ( ولتكن نيته فيه ) عند أخذه ( أن يتقوى به على طاعة اللّه ) عز وجل ، ( فإن لم يقدر عليه فليصرفه إلى ما أباحه اللّه تعالى ) أي يقتصر منها لنفسه على تناول بلغته ويجعل الباقي مصروفا إلى ما دعي إليه ، وهو إذا يصير بذلك من خلفاء اللّه ، ( فإن استعان به على معصية اللّه ) وما فيه مخالفة أمر اللّه ( كان كافرا للنعمة مستحقا للبعد والمقت من اللّه تعالى ) ، فيلتحق بأهل القسم الأول وعد من الهالكين أعاذنا اللّه من ذلك بعونه ومنه . ( الثانية أن يشكر المعطي ويدعو له ) بالخير ( ويثني عليه ) في حضوره وغيبته يخصه بذلك شكرا لما أولاه ، ( ويكون شكره ودعاؤه بحيث لا يخرج عن كونه ) جعل ( واسطة ) للبر وسببا للخير ، ( ولكنه طريق وصول نعمة اللّه إليه ) ، والشكر له هو الدعاء له وحسن الثناء عليه ، فيكون قول المصنف : ويدعو له ويثني عليه بعد قوله : أن يشكر من باب عطف التفسير ( وللطريق حق من حيث جعله اللّه طريقا وواسطة ) في الظاهر ، وذلك لا ينافي رؤية النعمة من اللّه سبحانه ، فإن الآخذ إنما يأخذه من يد اللّه فهو في شهوده هذا غير مستريب ، ولما كان ظهورها على يد هذا المعطي لزم شكره بحسب هذا الظهور فلا تنافي بين الشهودين ، ( فقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » ) فإن فيه إثبات حكم الوسائط واستعمال حسن الأدب في الإظهار والتخلق بأخلاق المنعم ، لأنه أنعم عليهم ثم شكر لهم كرما منه ، فكذلك