إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 254
فيها من البيّنة . فهذه شروط الاستحقاق . وأما مقدار ما يصرف إلى كل واحد فسيأتي . بيان وظائف القابض وهي خمسة : الأولى : أن يعلم أن اللّه عز وجل أوجب صرف الزكاة إليه ليكفي همه ويجعل همومه هما واحدا ، فقد تعبد اللّه عز وجل الخلق بأن يكون همهم واحدا وهو اللّه سبحانه واليوم الآخر وهو المعني بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ) . ولكن لما اقتضت الحكمة أن يسلط على العبد الشهوات والحاجات وهي تفرق والإشهاد ، بل المراد اختبار عدلين حكاه بعض المتأخرين ، واعلم أن كلام المصنف في الوسيط يوهم أن إلحاق الاستفاضة بالبينة يختص بالمكاتب فالغارم ، ولكن الوجه تعميم ذلك في كل مطالب بالبينة من الأصناف واللّه أعلم . ( فهذه شروط الاستحقاق ) وأما قدر ما يعطون فقد أشار إليه المصنف بقوله : ( فأما مقدار ما يصرف إلى كل واحد ) من هذه الأصناف ( فسيأتي ) قريبا ونتكلم عليه هناك إن شاء اللّه تعالى . بيان وظائف القابض : أي الآخذ للزكاة ( وهي خمسة ) : ( الأولى : أن يفهم أن اللّه عز وجل ) إنما ( أوجب صرفه إليه ) في كتابه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ( ليكفي ) بذلك ( همه ) الذي يعرض له ( ويجعل همومه ) المتشعبة كلها ( هما واحدا ) وحينئذ يسهل عليه دفع الخاطر إذا ورد من باب واحد لتفرغ القلب في دفعه ، بخلاف ما إذا كانت هموما كثيرة . فإنه إن اشتغل بدفع واحد عارضه الثاني فيتشتت حاله ويقع بسببه في تفرقة ويصعب علاجه ، ( فقد تعبد اللّه الخلق بأن يكون همهم واحدا وهو ) أي ذلك الواحد ( اللّه سبحانه واليوم الآخر ) فقد روى ابن ماجة ، والحكيم الترمذي ، والشاشي ، والبيهقي عن ابن مسعود مرفوعا : « من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه اللّه سائر همومه ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال اللّه في أي أوديتها هلك » . وأخرج الحاكم من حديث ابن عمر « من جعل الهموم هما واحدا كفاه اللّه ما أهمه في أمر الدنيا والآخرة ومن تشعبت به الهموم لم يبال اللّه في أي أودية الدنيا هلك » . ( وهو المعنى ) أي المراد ( بقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] أن يقصدوني بعبادتهم وتذللهم فاكفي مؤنتهم وهمومهم ، ( ولكن ما اقتضت الحكمة ) الإلهية الرحمانية ( أن يسلط على العبد الشهوات ) النفسية ( والحاجات ) الظاهرية حيث كان مؤمنا بطبعه ( وهي ) أي كل من الشهوات والحاجات ( تفرق همه ) فالنفس الشهوانية تطلب نكاحا وأكلا وشربا ولبسا وسكنى