همه اقتضى الكرم إفاضة نعمة تكفي الحاجات فأكثر الأموال وصبها في أيدي عباده لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم ووسيلة لتفرغهم لطاعاتهم ، فمنهم من أكثر ماله فتنة وبلية فاقحمه في الخطر ، ومنهم من أحبه فحماه عن الدنيا كما يحمي المشفق مريضه فزوى عنه فضولها وساق إليه قدر حاجته على يد الأغنياء ليكون سهل الكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم ، وفائدته تنصبّ إلى الفقراء فيتجردون لعبادة اللّه والاستعداد لما بعد الموت فلا تصرفهم عنها فضول الدنيا ولا تشغلهم عن التأهب الفاقة ، وهذا
شرح
وغير ذلك من الطوارىء الحسية والمعنوية ( اقتضى الكرم ) الحقيقي الأصلي ( إفاضة نعمة ) من الفيض المطلق ( تكفي الحاجات ) كلها والهموم إنما تحدث بسبب تلك الحاجات ( بأكثر الأموال ) الظاهرة والباطنة ( وصبها في أيدي عباده ) وملكها لهم على وجه التعميم ، فمن وجه هي عارية مستردة ومن وجه منحة منحوا بها ( لتكون آلة لهم في دفع حاجاتهم ) فينتفعوا بها مدة ويذروها لينتفع بها غيرهم ، ( و ) من وجه وديعة في أيديهم رخص لهم استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فتكون وسيلة ( لتفرغهم لطاعاتهم ) المأمورين بها وانقسم هؤلاء قسمين ، ( فمنهم من أكثر ماله ) واعراضه ( فجعله فتنة وبلية ) حيث اغتر بها من جهله ونسيانه لما عهد إليه ولم يجد له عزما فظن أن جعلت له هبة مؤبدة فركن إليها واعتمد عليها ولم يؤد أمانة اللّه فيها ، ولما طولب بردها تضرر منه وضجر فلم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده ، ( فأقحمه في الخطر ) والهلاك . ( ومنهم من ) وفقه فحفظ ما عهد إليه فتناوله تناول العارية والمنحة والوديعة فادى فيه الأمانة وعلم أنه مسترجع ، ومنهم من ( أحبه فحماه من الدنيا ) وأعراضها ( كما يحمي المشفق ) الخائف ( مريضه ) من تعاطي ما يضره ( فزوى ) أي أبعد ( عنه فضولها ) أي الدنيا وهي الزائدة على قدر الكفاية ، فالمراعون لأمور الدنيا والآخرة على ثلاثة أضرب ، فالأول : هم المنهمكون في الدنيا بلا التفات منهم في العقبى ، وهم المسمون عبدة الطاغوت ، وشر الدواب ونحوها من الأسماء والثاني : وهم المتوسطون وفوا الدارين حقهما . والثالث : هم المخالفون للقسم الأول يراعون العقبى من غير التفات منهم إلى مصالح الدنيا ( و ) هؤلاء أقسام كثيرة أعظمهم حظا من ( ساق ) اللّه ( إليه ) رزقه ( قدر حاجته ) وكفايته وحاجة عياله وكفايتهم ( على أيدي الأغنياء ) إما من أهل القسم الأول أو من القسم الثاني ( ليكون شغل الكسب والتعب في الجمع والحفظ عليهم ) خاصة ، ( وفائدته تنصب ) وفي نسخة : منصبة ( إلى الفقراء ليتجردوا ) وفي نسخة : فيتجردون ( لعبادة اللّه تعالى ) بتفريغ الخاطر ( والاستعداد ) أي التهيؤ ( لما بعد الموت ) ، وهؤلاء جعلوا الدنيا قنطرة فعبروها ولم يعمروها ( فلا تصرفهم عن ذلك فضول الدنيا ولا تشغلهم عن التأهب الفاقة ) والحاجة ، ومن وصفهم أنهم لا يقدمون على تناول مباح حتى يضطروا إليه فيتحتم تناوله عليهم فيصير ما كان مباحا تناوله فرضا عليهم ، ( وهذا منتهى النعمة ) قد بلغوا مقصدهم المذكور في قوله تعالى :وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى