تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
يطالب ببينة ولا يحلف بل يجوز اعتماد قوله إذا لم يعلم كذبه ، وأما الغزو والسفر فهو أمر مستقبل فيعطى بقوله إني غاز فإن لم يف به استرد . وأما بقية الأصناف فلا بدّ
شرح
الإمام أنه ليس مستحقا لم يجز الصرف إليه ، وإن علم استحقاقه جاز ولم يخرجوه عن القضاء بعلمه ، وإن لم يعرف حاله فالصفات قسمان خفية وجلية . وقد أشار إلى القسم الأول بقوله : ( أما الفقر والمسكنة فيقول الآخذ ولا يطالب ) مدعيهما ( ببينة ) لعسرها لأنهما من الصفات الخفية ، لكن إن عرف له مال فادعى هلاكه طولب بالبينة لسهولتها ولم يفرقوا بين دعواه الهلاك بسبب خفي كالسرقة أو ظاهر كالحريق ، وإن قال لي عيال لا يفي كسبي بكفايتهم طولب بالبينة على العيال على الأصح ، ولو قال : لا كسب لي وحاله يشهد بصدقه فإن كان شيخا كبيرا أو زمنا أعطي بلا بينة ( ولا يحلف ) وإن كان قويا جلدا ( بل يجوز اعتماد قوله إذا لم يعلم كذبه ) بشهادة الحال . أو قال : لا مال لي واتهمه الإمام فهل يحلف ؟ وجهان أصحهما لا . فإن حلفناه فهل هو واجب أو مستحب ؟ وجهان فإن نكل وقلنا اليمين واجبة لم يعط ، وإن قلنا مستحبة أعطي ، فهذا ما يتعلق بالصفات الخفية . وأما الصفة الجلية فضربان : أحدهما : يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في المستقبل ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وأما الغزو والسفر فهو أمر مستقبل فيعطى ) الغازي ( بقوله إني غاز ) وابن السبيل بقوله : إني مسافر بلا بينة ولا يمين ، ( فإن لم يف ) الغازي ولم يحقق الموعود ( به ) بأن لم يخرج للغزو ( استرد ) منه وكذا ابن السبيل ، وجمعهما المصنف في ضمير واحد لاتحاد الحكم مع جامعية السفر ، فإن الغزو أيضا سفر ، ولم يتعرض الجمهور لبيان القدر الذي يحتمل تأخير الخروج فيه ، وقدره السرخسي في أماليه بثلاثة أيام فإن انقضت ولم يخرج استرد منه ، ويشبه أن يكون هذا على التقريب وأن يعتبر ترصده وكون التأخير لانتظار الرفقة وتحصيل الأهبة وغيرهما . الضرب الثاني : يتعلق الاستحقاق فيه بمعنى في الحال ويدخل فيه بقية الأصناف ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( وأما بقية الأصناف فلا بد فيها من البينة ) فإذا ادعى العامل العمل طولب بالبينة لسهولتها ويطالب بها المكاتب والغارم ، فلو صدقهما المولى وصاحب الدين كفى على الأصح ، ولو كذبه المقر له لغا الإقرار ، وأما المؤلف قلبه فإن قال : نيتي في الإسلام ضعيفة قبل قوله لأن كلامه يصدقه ، وإن قال أنا شريف مطاع في قولي طولب بالبينة . كذا فصله جمهور الأصحاب ، ومنهم من أطلق أنه يطالب بالبينة ويقوم مقام البينة الاستفاضة بإشهار الحال بين الناس لحصول العلم أو غلبة الظن ، ويشهد لما ذكرنا من اعتبار غلبة الظن ثلاثة أمور . أحدها : لو أخبر عن الحال واحد يعتمد قوله كفى قاله بعض الأصحاب . الثاني : قال الإمام رأيت للأصحاب رمزا إلى تردد في أنه لو حصل الوثوق بقول من يدعي الغرم وغلب على الظن صدقه هل يجوز اعتماده . الثالث : لا يعتبر في البينة في هذه المواضع سماع القاضي والدعوى والإنكار
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 253 | مرتضى الزبيدي