فإن قلت : فبم تعرف هذه الصفات ؟ قلنا : أما الفقر والمسكنة فبقول الآخذ ولا
شرح
مرتبة الغنم من مرتبة الإبل ، ثم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمرنا بالصلاة في مرابض الغنم والصلاة قربة إلى اللّه تعالى وأماكنها مساجد اللّه ، فمرابض الغنم من مساجد اللّه فلها درجة القربة والإبل ليست لها هذه المرتبة ، وإن كانت أعظم خلقا ، ولهذا جعلناها للأجسام . ألا ترى أن من أسمائها البدنة ، والجسم يسمى البدن والبدن من عالم الطبيعة والطبيعة بينها وبين اللّه درجتان النفس والعقل ، فهي في ثالث درجة من القرب .
وأما كون البقر في مقابلة النفوس وهي دون الغنم في الرتبة وفوق الإبل كالنفس فوق الجسم ودون العقل الذي هو الروح الإلهي ، وذلك أن بني إسرائيل لما قتلوا نفسا وتدافعوا فيها أمرهم اللّه أن يذبحوا بقرة ويضربوا الميت ببعضها فيحيا بإذن اللّه ، فلما حيي به نفس الميت عرفنا أن بينها وبين النفوس نسبة فجعلناها للنفس ، ثم أن الروح الذي هو العقل يظهر عنه مما زرع اللّه فيه من العلوم والحكم والأسرار ما لا يعلمه إلا اللّه . وهذه العلوم كلها منها ما يتعلق بالكون ، ومنها ما يتعلق باللّه وهم بمنزلة الزكاة من الحنطة لأنها أرفع الحبوب ، وأن النفس يظهر عنها مما زرع اللّه فيها من الخواطر والشهوات ما لا يعلمه إلا اللّه ، فهذا نباتها وهو بمنزلة التمر وزكاة اللّه منها الخاطر الأول ومن الشهوات الشهوة التي تكون لأهل اللّه ، وإنما قرناها بالتمر لأن النخلة هي عمتنا فهي في العقل بمنزلة النخلة من آدم ، فإنها خلقت من بقية طينه ، وأما الجوارح فزرع اللّه تعالى فيها الأعمال كلها فانبتت الأعمال وحظ الزكاة منها الأعمال المشروعة التي يرى اللّه فيها فهذه ثمانية أصناف تجب فيها الزكاة ، فأما العلم الذي هو بمنزلة الذهب فيجب فيه ما يجب في الذهب ، وأما العمل الذي هو بمنزلة الفضة فيجب فيه ما يجب في الورق ، وأما الروح فيجب فيه ما يجب في الغنم ، وأما النفس فيجب فيها ما يجب في البقر ، وأما الجوارح فيجب فيها ما يجب في الإبل ، وأما ما ينتجه العقل من المعارف وينبته من الأسرار فيجب فيه ما يجب في الحنطة ، وأما ما تنتجه النفس من الشهوات والخواطر وتنبته من الواردات فيجب فيه ما يجب في التمر ، وأما ما تنتجه الجوارح من الأعمال وتنبته من صور الطاعات وغيرها فيجب فيها ما يجب في الشعير .
واعلم أن الأوقات في طريق اللّه للعلماء العاملين بمنزلة الأقوات لمصالح الأجسام الطبيعية ، وكما أنه بعض الأقوات هو عين زكاة ذلك الصنف كذلك الوقت الإلهي هو زكاة الأقوات الكيانية ، فإن في الوقت أغذية للأرواح كما في الأقوات أغذية للأشباح وغذاء الجوارح الأعمال ، والعلم والعمل معدنان بوجودهما تنال المقاصد الإلهية في الدنيا والآخرة ، كما أن بالذهب والفضة ينال جميع المقاصد من الأعراض والأغراض واللّه أعلم .
ثم أشار المصنف إلى كيفية الصرف إلى المستحقين وفيما يعول عليه في صفاتهم بالاختصار في صورة سؤال وجواب فقال :
( فإن قلت : فبم تعرف هذه الصفات ؟ قلنا ) قال الأصحاب : من طلب الزكاة وعلم