إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 250
الصنف الثامن : ابن السبيل : وهو الذي شخص من بلده ليسافر في غير معصية أو اجتاز بها فيعطى إن كان فقيرا وإن كان له مال ببلد آخر أعطي بقدر بلغته . فإنه اتفق عليه الستة ولو قوي قوته ترجح حديث معاذ بأنه مانع ، وما رواه مبيح مع أنه دخله التأويل عندهم حيث قيد الآخذ له بأن لا يكون له شيء من الديوان ولا آخذا من الفيء وهم أعم من ذلك ، وذلك يضعف الدلالة بالنسبة إلى ما لم يدخله ، واللّه أعلم . فصل في اعتبار إخراجها في سبيل اللّه : يمكن أن يريد المجاهدين والإنفاق منها في الجهاد لأنه يطلق عليه هذا الاسم عرفا ، ويمكن أن يريد سبيل الخير كلها المقربة إلى اللّه ، وأما هذا الصنف بحسب ما يقضيه الطريق فسبيل اللّه ما تعطيه حقيقة هذا الاسم دون غيره من الأسماء الإلهية فيخرجها فيما تطلبه مكارم الأخلاق من غير اعتبار صنف من أصناف المخلوقين ، بل ما تقتضيه المصلحة العامة لكل إنسان بل لكل حيوان حتى الشجرة يراها تموت عطشا ، فيكون عنده بما يشتري لها ما يسقيها به من مال الزكاة فيسقيها بذلك ، فإنه من سبيل اللّه ، وإن أراد المجاهدين فالمجاهدون معلومون بالعرف من هم ، والمجاهدون أنفسهم أيضا في سبيل اللّه فيعانون بذلك على جهاد أنفسهم . وفي الخبر : رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر يريد جهاد النفوس ومخالفتها في أغراضها الصارفة عن طريق اللّه ثم قال المصنف رحمه اللّه : ( الصنف الثامن ابن السبيل ) سمي به من ذكر بعد لملازمته له فصار كأنه ولده كما يقال : الصوفي ابن وقته ( وهو ) شخصان . أحدهما : ( الذي شخص ) أي خرج ( من بلده ) أو بلد كان مقيما به ( مسافرا ) أي منشئا للسفر ، فهذا يعطى قطعا ، ويشترط أن يكون سفره ( في غير معصية ) فيعطى في سفر الطاعة ، وكذا في المباح كالتجارة وطلب الآبق على الصحيح . فإذا قلنا : يعطى في المباح ففي سفر التنزه وجهان لأنه ضرب من الفضول والأصح أنه يعطى . الثاني : أشار إليه المصنف بقوله : ( أو اجتاز ) أي غريب اجتاز ( فيه ) أي في البلد فيعطى أيضا على المذهب ، وقيل : إن جوزنا نقل الصدقة جاز الصرف إليه وإلا فلا ، لكن ( إن كان فقيرا ) لا مال له أصلا ولا ما يحتاج له في سفره ( و ) كذا ( إن كان له مال ببلد آخر ) غير المنتقل منه ( أعطي بقدر بلغته ) وقال مالك ، وأبو حنيفة : ابن السبيل هو المجتاز دون المنشىء ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين أظهرهما المجتاز ، واختاره الوزير ابن هبيرة وقال : هو الصحيح . قال شارح الكنز من أصحابنا : جاز للمسافر الأخذ من الزكاة قدر حاجته وإن كان له مال ببلد بعيد إن لم يقدر عليه في الحال ولا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته ، لأن الحاجة هي