شرح
الخلاف فيه لا يوجب خلافا في الحكم للاتفاق على أنه إنما يعطي الأصناف كلهم سوى العامل بشرط الفقر فمنقطع الحاج يعطى اتفاقا .
وقال في النهاية : فإن قيل : وفي سبيل اللّه مكرر سواء كان منقطع الغزاة أو منقطع الحاج لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أو لا . فإن كان فهو ابن السبيل ، وان لم يكن فهو فقير بعد أن يكون العدد سبعة . أجيب : بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر ، وهو الانقطاع في عبادة اللّه من حج أو غزاة ، فلذلك غاير الفقر المطلق بأن المقيد يغاير المطلق لا محالة .
ودليل أصحاب الشافعي ما رواه مالك ، وأبو داود ، وابن ماجة قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة العامل عليها ، ورجل اشتراها بماله ، وغارم وغاز في سبيل اللّه ، ورجل له جار مسكين تصدق بها عليه فأهداها إلى الغني » .
ودليل أصحابنا ما رواه أبو داود والترمذي . والطحاوي من طريق ريحان بن يزيد ، عن عبد اللّه بن عمرو رفعه : « لا تحل الصدقة لغني ولا لذي قوة سوي » . وقد روي ذلك عن أبي هريرة وغيره من الصحابة من طرق كثيرة .
وأخرج أبو داود ، والنسائي ، والطحاوي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد اللّه بن عدي بن الخيار قال : أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يقسم الصدقة فسألاه فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال : « إن شئتما أعطيتكما ولاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب » .
قال صاحب التنقيح : حديث صحيح قال ما أجوده من حديث هو أحسنها إسنادا فهذا مع ما قبله ، وحديث معاذ السابق عند الستة « تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم » يقيد منع غني الغزاة والغارمين عنها فهو حجة على الشافعي في تجويزه لغني الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان ولم يأخذ من الفيء . وما تقدم من أن الفقراء في حديث معاذ صنف واحد كما قاله ابن الجوزي غير صحيح ، فإن ذلك المقام مقام إرسال البيان لأهل اليمن وتعليمهم ، والمفهوم من فقرائهم من اتصف بصفة الفقر أعم من كونه غارما أو غازيا ، فلو كان الغني منهما مصرفا كان فيه ترك البيان في وقت الحاجة لأن في ذلك إبقاء للجهل البسيط ، وفي هذا إيقاعهم في الجهل المركب لأن المفهوم لهم من ذلك أن الغني مطلقا ليس يجوز الصرف إليه غازيا أو غيره ، فإذا فرض أنه خلاف الواقع لزم ما قلنا وهو غير جائز فلا ما يفضي إليه مع أن نفس الأسماء المذكورة في الآية تفيد أن المناط في الدفع إليهم الحاجة لما عرف من تعليق الحكم بالمشتق أن مبدأ اشتقاقه علة ومأخذ الاشتقاقات في هذه الأسماء تنبه على قيام الحاجة ، فالحاجة هي العلة في جواز الدفع إلا المؤلفة قلوبهم ، فإن مأخذ اشتقاقه يفيد أن المناط التأليف وإلا العامل فإنه يفيد أنه العمل وفي كون العمل سببا للحاجة تردد ، فإنه ظاهرا تكون له أعونة وخدم ويهدى إليه وغالبا تطيب نفس إمامه إما بكثير مما يهدى إليه فلا يثبت عليه الفقر في حقه بالشك وما استدل به أصحاب الشافعي من الحديث المذكور فالجواب عنه من وجوه . قيل إنه لم يثبت ولو ثبت لم يقو قوة حديث معاذ