تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
شرح
وقال صاحب النهاية النسخ بالاجماع جوزه بعض مشايخنا باعتبار أن الإجماع موجب على اليقين كالنص ، فيجوز أن يثبت النسخ به والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور ، فإن كان يجوز النسخ بالخبر المشهور بالزيادة فبالإجماع أولى ، وأما اشتراط حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في حق جواز النسخ فجائز أن لا يكون مشروطا على قول ذلك البعض الذي يرى أن النسخ بالمتواتر والمشهور بطريق الزيادة جائز ، ولا يتصور النسخ بالمتواتر والمشهور إلا بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما أنه إنما عرف التفرقة بين المتواتر والمشهور والآحاد بهذه الأسامي إلا في القرن الثاني والثالث فتأمل . والحاصل ؛ أنه اختلف أئمتنا في وجه سقوط هذا الصنف بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته صلّى اللّه عليه وسلم ، فمنهم من ارتكب النسخ وإليه مال صاحب النهاية ورحجه شارح المختار ، والناسخ هنا هل هو الإجماع أو دليل الإجماع ؟ أظهرهما الثاني بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند بدليل إفادة تقييد الحكم بحياته صلّى اللّه عليه وسلم وهو موافقة الصديق وسائر الصحابة لعمر في ذلك دلت على أنهم كانوا عالمين بما هنالك ، والآية التي قرأها عمر وتقدم ذكرها تصلح أن تكون دليل الإجماع ، وكذا حديث معاذ لما بعثه إلى اليمن لأنه كان آخر الأمر منه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومنهم من قال : هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته ، وقد اتفق انتهاؤها بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلم والمراد بالعلة الغائية أو الدفع لهم هو العلة للإعزاز لما أنه يحصل به ، فانتهى ترتيب الحكم وهو الإعزاز على الدفع الذي هو علته ، لأن اللّه تعالى أعز الإسلام وأغنى عنهم ، وعن هذا قال صاحب الغاية : عدم الدفع لهم الآن تقرير لما كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلم لا نسخ لأنه كان للإعزاز وهو الآن في عدمه ، وتعقبه الشيخ ابن الهمام في فتح القدير : إن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع حكم شرعي كان ثابتا وقد ارتفع ، وغاية الأمر أنه نسخ لزوال علته اه . وقال صاحب الكشف : سقوطهم تقرير لما كان في زمنه صلّى اللّه عليه وسلم من حيث المعنى ، لأن الدفع إليهم في ذلك الوقت كان إعزازا لأهل الإسلام لكثرة أهل الكفر ، والإعزاز بعد ذلك في عدم الدفع لكثرة أهل الإسلام ، ونظير ذلك العاقلة في زمنه صلّى اللّه عليه وسلم كانت العشيرة وبعده أهل الديوان ، لأن الوجوب على العاقلة بسبب النصرة والنصرة في زمنه بالعشيرة وبعده بالديوان ، واللّه أعلم .

فصل [ اعتبار المؤلفة قلوبهم هم الذين تألفهم الإحسان على حب المحسن ]

اعتبار المؤلفة قلوبهم هم الذين تألفهم الإحسان على حب المحسن ، فإن القلوب تتقلب فتألفها هو أن تتقلب في جميع الأمور كما تعطى حقائقها ، ولكن لعين واحدة وهو عين اللّه ، فهذا تألفها عليه لا تملكها عيون متفرقة لتفرق الأمور التي تتقلب فيها ، فإن الجداول إذا كانت ترجع إلى عين واحدة فينبغي مراعاة تلك العين والتألف بها ، فإنه إن أخذته الغفلة عنها ومسكت تلك العين ماءها لم تنفعه تلك الجداول بل يبست وذهب عنها ، وإذا راعى العين وتألف بها تبحرت جداوله واتسعت مذانبه .