شرح
والحاصل : أن النصب ثلاثة : نصاب يوجب الزكاة على مالكه وهو النامي خلقة أو اعدادا وهو سالم من الدين ونصاب لا يوجبها وهو ما ليس أحدهما فإن كان مستغرقا لحاجة مالكه حل له أخذها وإلّا حرمت عليه كثياب تساوي نصابا لا يحتاج إلى ملكها أو أثاث لا يحتاج إلى استعماله كله في بيته وعبد وفرس لا يحتاج إلى خدمته وركوبه ، ودار لا يحتاج إلى سكناها ، فإن كان محتاجا إلى ما ذكرنا حاجة أصلية فهو فقير يحل دفع الزكاة له وتحرم عليه المسألة ، ونصاب يحرم المسألة وهو ملك قوت يومه أو لا يملك لكنه يقدر على الكسب أو يملك خمسين درهما على الخلاف في ذلك اه .
ولا خلاف في أنهما صفتان لأن العطف في الآية يقتضي المغايرة بينهما وإنما اختلفوا في أنهما صنفان أو صنف واحد في غير الزكاة كالوصية والوقف والنذر ، فقال أبو حنيفة بالأول وهو الصحيح . وقال أبو يوسف : بالثاني فلو أوصى بثلث ماله لفلان وللفقراء والمساكين فعلى قول أبي حنيفة لفلان ثلث الثلاث ولكل من الفريقين ثلثه ، وعلى قول أبي يوسف لفلان نصف الثلث وللفريقين النصف الآخر ، وكذا الوقف والنذر ذكر فخر الإسلام ان الصحيح قول أبي حنيفة ، ثم إن قول من قال : إن الفقير أسوأ حالا من المسكين استدل عليه بوجوه خمسة .
الأول : قوله تعالىأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ[ الكهف : 79 ] فإنه أثبت للمسكين سفينة .
والثاني : قوله صلّى اللّه عليه وسلم « اللهم احيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين » مع ما روي أنه تعوّذ باللّه من الفقر .
والثالث : أن اللّه تعالى قدمهم في الآية فدل على زيادة الاهتمام بهم وذلك مظنة زيادة حاجتهم .
والرابع : أن الفقير بمعنى المفقور وهو المكسور الفقار ، فكان أسوأ حالا .
والخامس : قول الشاعر :هل لك في أجر عظيم تؤجره * تغيث مسكينا كثيرا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره .والجواب عن ذلك أما عن الأول فلا دلالة في الآية ، فإنها لم تكن لهم وإنما كانوا فيها أجراء وكانت عارية لهم ، ويدل على ذلك قراءة من قرأ المساكين بالتشديد ، أو قيل لهم مساكين ترحما على حالهم . كما يقال لمن ابتلي ببلية مسكين وهذا فاش في لغة عرب اليمن ، أو لأنهم كانوا مقهورين بقهر الملك ، وقد يقال للذليل المقهور مسكين ، كما قال تعالىضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ[ البقرة : 61 ] نقله صاحب المصباح .
وأما الجواب عن الثاني ، فإن الفقر المتعوّذ منه ليس إلا فقر النفس لما صح أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى ، والمراد منه غنى النفس لا كثرة العرض فلا دليل فيه لما ذكر .