إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 234
الفقيه يجتهد فيها برأيه ويقرب في التحديدات بما يراه ويقتحم فيه خطر الشبهات . والمتورع يأخذ فيه بالأحوط ويدع ما يريبه إلى ما لا يريبه . والدرجات المتوسطة المشكلة بين الأطراف المتقابلة الجلية كثيرة ولا ينجي منها إلا الاحتياط ، واللّه أعلم . رأيه ) مهما أمكن ( ويقرب في التحديدات بما يراه ) مما أراه اللّه ، ( ولا يقتحم فيه خطر الشبهات ، و ) أما ( المتورع ) فإنه ( يأخذ ) فيه ( بالأحوط ) فالأحوط ( ويدع ) أي يترك ( ما يريبه ) أي يوقعه في الريب والشبهة ( إلى ما لا يريبه ) وهو إشارة إلى الحديث المشهور « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » وقد تقدم في كتاب العلم . ( والدرجات المتوسطة المشكلة بين الأطراف المتقابلة الجلية ) الظاهرة ( كثيرة ولا ينجي منها إلا الاحتياط ) في دين اللّه عز وجل ، وقد بقي في هذا الباب ما ذكر النووي في الروضة : ولو كان له عقار ينقص دخله عن كفايته فهو فقير أو مسكين فيعطى من الزكاة تمامها ولا يكلف بيعه ذكره الجرجاني في التحرير والشيخ نصر وآخرون ، واللّه أعلم . فصل في ذكر حد الفقير والمسكين : عند أئمة اللغة واختلافهم في ذلك وما لأصحابنا وأصحاب الشافعي فيهما من الكلام ففي المصباح قال ابن السكيت : المسكين الذي لا شيء له ، والفقير الذي له بلغة من العيش ، وكذا قال يونس ، وجعل الفقير أحسن حالا من المسكين قال : وسألت أعرابيا أفقير أنت ؟ فقال : لا واللّه بل مسكين . وقال الأصمعي : المسكين أحسن حالا من الفقير وهو الوجه لأن اللّه تعالى قال : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ [ الكهف : 79 ] وكانت تساوي جملة وقال في حق الفقير : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [ البقرة : 273 ] وقال صاحب القوت قيل : الفقير الذي لا يسأل والمسكين هو السائل ، وقيل : الفقير هو المحارب وهو المحروم ، والمسكين الذي به زمانة واشتقاقه من السكون أي أسكنه الفقر لما سكنه فقلل حركته ، وهذه أوصافه يقال : قد تمسكن الرجل وتسكن كما يقال تمدرع وتدرع إذا لبس المدرعة ، فكذلك الفقير إذا كانت المسكنة لبسته ، وأهل اللغة مختلفون فيهما قال بعضهم : المسكين أسوأ حالا من الفقير لأن اللّه تعالى قال أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [ البلد : 16 ] فهو الذي لا شيء له قد لصق بالتراب من الجهد ، وذهب إلى هذا القول يعقوب بن السكيت ومال إليه يونس بن حبيب ، وبعضهم يقول غير هذه فيقول : ذا متربة من الغنى ويقال : قد أترب الرجل إذا استغنى فهو مترب من المال أي قد كان متربا غنيا من أهل النعم ثم افتقر فهذا أفضل من أعطي ، وقال بعض أهل اللغة في قوله ذا مَتْرَبَةٍ دليل أن المسكين أحسن حالا قال : لأن اللّه تعالى لما نعته بهذا خاصة علمت أنه ليس كل مسكين بهذا النعت ألا ترى أنك إذا قلت : اشتريت ثوبا ذا علم نعته بهذا النعت لأنه ليس كل ثوب له علم ، فكذلك المسكين الأغلب عليه أن يكون له شيء ،