شرح
فلما كان هذا المسكين مخالفا لسائر المساكين بيّن اللّه تعالى نعته ، وبهذا المعنى استدل أهل العراق من الفقهاء أن اللمس هو الجماع بقوله : فلمسوه بأيديهم . إن اللمس يكون بغير اليد وهو الجماع ، فلما قال : بأيديهم خص هذا المعنى ، فردوه على من احتج به من علماء أهل الحجاز في قولهم اللمس باليد ، وقال آخرون : بل الفقير أسوأ حالا من المسكين لأن المسكين يكون له شيء والفقير لا شيء له . قال اللّه تعالى في أصحاب السفينةأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ[ الكهف : 79 ] فأخبر أن لهم سفينة وهي تساوي جملة ، وقالوا : سمي فقيرا لأنه نزعت فقرة من ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر ، فهو مأخوذ من فقار الظهر ومال إليه الأصمعي وهو عندي كذلك من قبل أن اللّه تعالى قدمه على الأصناف فبدأ به ، فدل أنه هو الأحوج فالأحوج أو الأفضل فالأفضل .
وقال قوم : الفقير هو الذي يعرف بفقره لظهور أمره ، والمسكين هو الذي لا يفطن له ولا يؤبه به لتخفيه وتستره ، وقد جاءت السنة بوصف هذا في الخبر المروي : ليس المسكين الذي ترده الكسرة والكسرتان والتمرة والتمرتان إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه ، وقد قال بعض العلماء في مثل هذا ، وقد سئل أي الأشياء أشد ؟ فقال : فقير في صورة غني ، وقيل لحكيم آخر : ما أشد الأشياء ؟ فقال : من ذهب ماله وبقيت عادته .
وقال الفقهاء : المسكين الذي له سبب ويحتاج إلى أكثر منه لضيق مكسب أو وجود عيلة ، فهذا أيضا قد وردت السنة بفقره وذكر فضله في الحديث الذي جاء « إن اللّه يحب الففير المتعفف أبا العيال ويبغض السائل الملحف » . وفي الخبر الآخر « إن اللّه يحب عبده المؤمن المحترف » وكل هذه الأقوال صحيحة اه .
وقال أصحابنا الفقير من له دون نصاب هكذا هو في النقاية لصدر الشريعة ، وتبعه صاحب الدرر ، وقال صاحب الهداية : الفقير من له أدنى شيء ، والمسكين من لا شيء له وهذا مروي عن أبي حنيفة وقد قيل على العكس ولكل وجه اه . والأول أصح وهو المذهب كما في الكافي .
وقال ابن الهمام : الفقير من له مال دون نصاب أو قدر نصاب غير تام وهو مستغرق في الحاجة ، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته ، أو ما يواري بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول ، فإنه لا يحل لمن يملك قوت يومه بعد سترة بدنه ، وعند بعضهم لا يحل لمن كان كسوبا أو يملك خمسين درهما ، ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيرا ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة بالحاجة ، ولذا قلنا : يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصبا كثيرة على تفصيل ما ذكرنا فيما إذا كان محتاجا إليها للتدريس أو الحفظ أو التصحيح ، ولو كانت ملك عامي وليس له نصاب نام لا يحل دفع الزكاة له لأنها غير مستغرقة في حاجته فلم تكن كثياب البذلة ، وعلى هذا جميع آلات المحترفين إذا ملكها صاحب تلك الحرفة .