سلط اللّه تعالى عليه دواعي الفعل ويسّر له الأسباب فأعطى وهو مقهور ، ولو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى اللّه عز وجل في قلبه أن صلاح دينه ودنياه في فعله ، فمهما قوي الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاض القدرة ولم يستطع العبد مخالفة الباعث القوي الذي لا تردد فيه واللّه عز وجل خالق للبواعث ومهيجها ومزيل للضعف والتردد عنها ومسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث ، فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب ، وتيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره ، فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه وإعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع . وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ويدعو بالشر عند الإيذاء
شرح
بتسخير اللّه تعالى إذ سلط اللّه عليه دواعي الفعل ويسّر له الأسباب ) الظاهرة وسهّل له طرقها ( فأعطى ) ما أعطى ( وهو مقهور ) ملجأ إلى ذلك ، ( ولو أراد تركه ) أي الإعطاء ( لم يقدر عليه بعد أن ألقى اللّه تعالى في قلبه ) وألهمه ( أن صلاح دينه ودنياه في فعله ) هذا ، ( فمهما قوي الباعث ) المحرك ( أوجب ذلك جزم الإرادة وانتهاز القدرة ) وفي بعض النسخ الفرصة ، وصوابه : وانتهاض القدرة . ( ولم يستطع العبد مخالفة الباعث الذي لا تردد فيه واللّه عز وجل هو خالق البواعث ) والإرادات ( ومهيجها ومزيل الضعف والتردد عنها ، و ) هو ( مسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث ) الباطنة ( فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب ) ، وحاصله : أن من أعطاه رزقه فأثنى عليه ومدحه وشهده فيه فحمده فيكون قد حمد غير الذي أعطاه ونظر إلى سواه وذكر غير الذي ذكره بالعطاء لأن الذي يحمد اللّه ويشكره ويثني عليه برزقه ويذكره يرى أن اللّه سبحانه هو المنعم المعطي فينظر إليه من قرب ، ( وتيقن مثل هذا للعبد أنفع للمعطي من ثناء غيره وشكره ) عند اللّه ، ( فإن الثناء والشكر حركة في اللسان ) وفي بعض النسخ فذلك حركة لسان ( يقلّ في الأكثر جدواه ) أي نفعه ( وإعانة مثل هذا الموحد لا تضيع ) ولا نفعيته وجه آخر هو كان سببا لنفع موقن فيكون واضعا للشيء في حقيقة موضعه ، ومدح الآخر له ودعاؤه لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه فيه فيمدحه ، فضعف يقين هذا بربه أشد على المنفق من دعائه إن كان ناصحا للّه تعالى في خلقه ولخلق اللّه تعالى فيه إلا أن لا ينصح لمولاه لغلبة هواه على تقواه ولجهله بعائد النفع له في عقباه فنقص هذا بمقامه من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته على أنه لا يأمن الاستشراف من الآخر إليه والاعتياد منه والطمع فيه فيتأذى بذلك في عاجلته قبل الآجلة ويضجر فيتبرم به فيتكلم فيه بكلام يحبط عمله .
وأشار المصنف إلى نقص هذا المقام بوجه آخر فقال : ( وأما الذي يمدح بالعطاء ويدعو بالخير فسيذم بالمنع ) ويقع فيه عنده ( ويدعو بالشر عند اليأس من العطاء ) فيكون هو سبب حمله عليه وهو آمن مطمئن . هذا كله في الموقن المشاهد وهو لا يأخذ رزقه إلا من اللّه تعالى ،