عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل . فقال : لا هؤلاء قوم هممهم للّه سبحانه ، فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أردّ همة واحد إلى اللّه عز وجل أحب إليّ من أن أعطي ألفا ممن همته الدنيا ، فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه وقال : هذا ولي من أولياء اللّه تعالى ، وقال : ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكي أن هذا الرجل اختل حاله وهمّ بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا وقال : اجعله بضاعتك ولا تترك الحانوت ، فإن التجارة لا تضر مثلك ، وكان هذا الرجل بقّالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه .
الصفة الثانية : أن يكون من أهل العلم خاصة فإن ذلك إعانة له على العلم ، والعلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية . وكان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم
شرح
الدنيا ، وعلماء الآخرة هم الزاهدون في الدنيا الورعون من التكاثر فيها ، فإن حبّ الدنيا غامض قد هلك فيها خلق كثير لم ينج من العلماء ولم يسلم من الدينا إلا المتحققون بالعلم واليقين وهم المتقللون من الدنيا ، وقد قال تعالى :وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ[ البقرة : 265 ] أي يقينا يعني أنهم يتثبتون في صدقاتهم أي يضعونها في يقين ليستروح إليه القلب وتطمئن به النفس .
وقد كان بعض العلماء يؤثر بالعطاء ( فقراء الصوفية ) أي المتجردين ذوي الحاجة منهم ( دون غيرهم فقيل له ) يا فلان : ( لو عممت بمعروفك جميع الفقراء كان أفضل . فقال :
لا ) أفعل بل أؤثر هؤلاء على غيرهم . قيل : ولم ؟ قال : لأن ( هؤلاء هممهم للّه سبحانه ) وفي القوت : همهم اللّه تعالى ( فإذا طرقتهم فاقة ) أي أصابتهم حاجة ( تشتت هم أحدهم ، فلأن أرد همة واحد إلى اللّه تعالى أحب إليّ من أن أعطي ألفا ممن همته ) وفي القوت : همه ( الدنيا : فذكر هذا الكلام للجنيد ) أبي القاسم رحمه اللّه تعالى ( فاستحسنه ) أي عدّه حسنا ( وقال : هذا ولي من أولياء اللّه تعالى ، وقال ) ونص القوت ؛ ثم قال : ( ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا ، ثم حكى ) ونص القوت : وبلغني ( أن هذا الرجل اختلّ حاله ) في أمر الدنيا ( وهمّ ) وفي القوت ، حتى همّ ( بترك الحانوت ) أي الدكان ، ( فبعث ) وفي القوت فوجه ( إليه الجنيد مالا ) وفي القوت : بمال كما صرف إليه ( وقال : اجعله بضاعتك ) وفي القوت اجعل هذا بضاعتك ( ولا تترك الحانوت فإن التجارة لا تضر مثلك ، و ) يقال ( كان هذا الرجل ) أي صاحب القصة ( بقّالا لا يأخذ ) وفي القوت ولم يكن يأخذ ( من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه ) رحمه اللّه تعالى .
( الصفة الثانية : أن يكون ) من يخصه بعطائه ( من أهل العلم خاصة ) وهم الذين يشتغلون بتعلمه وتعليمه للّه تعالى ليس لهم همّ سوى ذلك فهم في مقام الإرشاد ، ( فإن ذلك ) العطاء ( إعانة له ) في الجملة ( على العلم ) أي للاشتغال به تعلما وتعليما ، ( والعلم من أشرف العبادات ) وأفخر الطاعات ( مهما صحت النية فيه ) أن يكون قاصدا به وجه اللّه تعالى .