فقيل له لو عممت ، فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوة أفضل من مقام العلماء ، فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته لم يتفرغ للعلم ولم يقبل على التعلم فتفريغهم للعلم أفضل .
الصفة الثالثة : أن يكون صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد . وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد اللّه عز وجل وشكره ، ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة . فهذا هو أشكر العباد للّه سبحانه وهو أن يرى أن النعمة كلها منه . وفي وصية لقمان لابنه : لا تجعل بينك وبين اللّه منعما وأعدد نعمة غيره عليك مغرما ، ومن شكر غير اللّه سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ولم يتيقن أن الواسطة مقهور ومسخر بتسخير اللّه عز وجل إذ
شرح
( وكان عبد اللّه بن المبارك ) رحمه اللّه ( يخصص بمعروفه أهل العلم ) أي يجعل معروفه خاصة فيهم ( فقيل له : لو عممت ) به غيرهم . ( فقال : إني لا أعرف بعد مقام النبوّة أفضل من مقام العلماء ) أي : فالصدقة إليهم أفضل ، وإنما كان أفضل لأن مرتبته في الحقيقة مرتبة الإرشاد والتسليك وإهداء الضال وهي مرتبة النبوّة ، ( فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجته ) أو العيلة ( لم يتفرغ للعلم ) أي تعلمه ( ولم يقبل على التعليم ) للناس ( فتفريغهم للعلم أفضل ) .
ولفظ القوت : فرأيت أن أعينهم وأكفيهم حاجاتهم لتفرغ قلوبهم للعلم وينشطوا بتعليم الناس . هذه طرائق السلف الصالح والتوفيق من اللّه للعبد في وضع صدقته في الأفضل كالتوفيق منه في إطعام الحلال الذي يوفقه لأوليائه ويستخرجه لهم من علمه كيف يشاء بقدرته .
( الصفة الثالثة : أن يكون ) من يعطيه مع كونه متقيا عالما ( صادقا في تقواه وعلمه بالتوحيد ) الإلهي وصدقه في تقواه صيانة النفس مهما أمكن عما يوجب بعده عن الحضرة الإلهية ، وصدقه في علمه أن لا يرى منعما سواه ، ( وتوحيده أنه إذا أخذ العطاء ) من يد المعطي ( حمد اللّه تعالى وشكره ، ورأى أن النعمة منه ولم ينظر إلى واسطة ) في نعمة . ( فهذا هو أشكر العباد ) أي أكثرهم شكرا ( للّه تعالى ) لأن حقيقة الشكر للّه شهود النعمة منه والاخلاص بحسن المعاملة له ، وأن لا يشهد في النعمة بالعطاء سواه ، وهذا معنى قوله : ( وهو أن يرى أن النعمة منه ) فمثل هذه الصدقة بهذا الشهود تثمر له طاعة وهداية ونورا وعلما ، لأنها تقع في يد الرحمن قبل وقوعها في يد الآخذ فيربيها للمتصدق ، وهذا كله هو تربية الرحمن لها .
( وفي وصية لقمان لابنه ) : يا بني ( لا تجعل بينك وبين اللّه منعما وأعدد نعمة غيره عليك مغرما ) هكذا هو في القوت إلا أنه قال وفي وصية علي رضي اللّه عنه وساقه سواء ، ويحتمل أن يكون هذا قول لقمان من رواية علي رضي اللّه عنه ، ( ومن شكر غير اللّه سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم ) حق المعرفة ( ولم يتيقن ) في نفسه ( أن الواسطة مقهور ومسخر