مائة ألف درهم ، وذلك بأن يخرجه الإنسان وهو من أحل ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا والفرح بالبذل ، وقد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر اللّه عز وجل بشيء مما يحبه . وبذلك ذم اللّه تعالى قوما جعلوا للّه ما يكرهون ، فقال تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ
شرح
قلت : وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال « لدرهم طيب أحب إليّ من مائة ألف وقرأيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْالآية » . وبه يظهر مناسبة إيراد هذا الخبر بعد هذه الآية ، ثم أن هذه الجملة هكذا أوردها صاحب القوت واقتصر عليها ، وقلده المصنف ثم فسر ذلك بقوله : ( وذلك بان يخرجه الإنسان ) أي الدرهم ( وهو من أحل ماله وأجوده فيصدر ذلك عن الرضا ) وطيب النفس ( والفرح بالبذل ، وقد يخرج مائة ألف ) درهم ( مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر اللّه عز وجل بشيء مما يحبه ) ، وهذا المعنى صحيح موافق لسياق صاحب القوت دل عليه خبر أبي هريرة السابق ، وأيده قوله الذي أخرجه ابن المنذر ، وقد روي الخبر المذكور بزيادة جملة أخرى فيها بيان لمعنى الخبر ، وذلك فيما رواه النسائي عن أبي ذر ، والنسائي أيضا ، وابن حبان ، والحاكم في الزكاة وقال : على شرط مسلم عن أبي هريرة رفعاه « سبق درهم مائة ألف . قالوا يا رسول اللّه : كيف يسبق درهم مائة ألف ؟ قال : رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها » فظاهر هذا السياق دال على أن المراد بذلك الاخبار بأن الصدقة من القليل أنفع وأفضل منها من الكثير ، وإليه جنح المناوي في شرحه على الجامع ناقلا ذلك عن صاحب المطاع . ولا يخفى أن هذا الذي فهمه من الخبر غير الذي قرره المصنف ، وقرره بعضهم بوجه آخر فقال : إذا أخرج الرجل من ماله مائة ألف درهم وتصدق بها غير منشرح بذلك صدره ، وأخرج آخر درهما واحدا من درهمين طيبة بها نفسه صار صاحب الدرهم الواحد أفضل من صاحب مائة ألف ، وهذا نقل عن اليافعي وهو أيضا موافق لسياق الجماعة ، وعندي أنه لا تضاد في المعنيين الأولين ، فإن الرجل إذا أخرج درهما واحدا وكان له درهمان فالغالب أن هذا من كسبه الذي ليس في معصية فهو من أطيب ما عنده ، والذي عنده مال كثير فالغالب عليه الشبهة لأنه اكتسبه من جهات مختلفة فلا يخلو من طرئانها عليه ، فإذا أخرج منه فقد أخرج ما فيه شبهة لأنهم قالوا : الحلال ضيق قليل ، فتأمل .
ثم قال المصنف : ( وبذلك ذم اللّه قوما جعلوا للّه ما يكرهون ) وتصف ألسنتهم الكذب ، ( فقال تعالى :وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ )حمل المصنف تابعا لصاحب القوت أن المراد بجعلهم ما يكرهون ما يقدمونه في سبيل اللّه من صدقة أو هبة أو هدية ، وعموم الآية لا يمنع من ذلك . والذي أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك في تفسير هذا القول يقول : تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم . وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قولهما يَكْرَهُونَقال : هن الجواري ، وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن