تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
لعبده أو أهله ، فيكون قد آثر على اللّه عز وجل غيره ، ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام في بيته لأوغر بذلك صدره . هذا إن كان نظره إلى اللّه عز وجل وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه وليس له من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى ، والذي يأكله قضاء وطر في الحال فليس من العقل قصر النظر على العاجلة وترك الادخار ، وقد قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا
شرح
ركب المصري رضي اللّه عنه رفعه « طوبى لمن تواضع في غير منقصة ، وذل في نفسه في غير مسكنة ، وأنفق من مال جمعه في غير معصية ، وخالط أهل العفة والحكمة ورحم أهل الذل والمسكنة . طوبى لمن ذل نفسه وطاب كسبه وحسنت سريرته وكرمت علانيته وعزل عن الناس شره . طوبى لمن عمل بعلمه وانفق المال من فضله وأمسك الفضل من قوله » . ( وإذا لم يكن المخرج من جيد المال ) وطيبه ( فذاك ) أي إخراجه هكذا ( من سوء الأدب ) مع اللّه تعالى ، ( وإذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده ) مثله ( أو أهله فيكون ) ممن ( قد آثر على اللّه عز وجل غيره ) وإن فعل أسوأ من هذا ، ولا يقوم سوء أدب واحد في معاملة بجميع المعاملات ، ( ولو ) فرض أنه ( فعل هذا بضيفه ) الذي نزل به ( وقدم إليه أردأ طعام ) وجد ( في بيته لأوغر بذلك صدره ) أي ملأه حرارة وحقدا وعداوة ، ( هذا إن كان نظره إلى اللّه عز وجل وإن كان نظره إلى نفسه وثوابه في الآخرة ) فيما عند اللّه عز وجل ( فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه ) وقد تحقق أنه ( ليس له من ماله إلا ما تصدق ) به على الفقير ( فأمضى أو أكل فأفنى ) ، وهذا معناه في بعض الأخبار : ابن آدم ليس لك من مالك إلا ما قدمت فأبقيت أو أكلت فأفنيت ، وهذا ظاهر لا مرية فيه ، فإن الذي يتركه وارثه إما لوارث أو لحادث وهو مذموم على كل حال ، ( والذي يأكله قضاء وطر ) أي نيل حاجة ( في الحال وليس من العقل قصور النظر عن العاجلة ) التي هي الدنيا ( وترك الادخار إلى ) دار ( الآخرة ) ، كيف ( وقد قال اللّه تعالى ) في كتابه العزيز :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ )أي من التجارة الحلال كما أخرجه سعيد بن منصور والطبري وابن أبي حاتم عن مجاهدوَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِأي من طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمار والمعادن بحذف المضاف لتقدم ذكره ، وأخرج ابن جرير عن علي رضي اللّه عنه قال في قوله تعالى :أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْأي من الذهب والفضةوَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِيعني من الحب والتمر كل شيء عليه زكاةوَلا تَيَمَّمُواأي لا تعمدوا واعلموا أن اللّه غني عن صدقاتكم رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب( الْخَبِيثَ )أي الحرام ، رواه ابن جرير عن ابن زيد ، وأخرج الفريابي وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر ، عن عبد اللّه بن مغفل في قولهوَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَقال : كسب المسلم لا يكون خبيثا ولكن لا يتصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه( مِنْهُ تُنْفِقُونَ )أي تتصدقون .