تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
فهم الوجوب فهو جدير بأن يستحيي منه ، فكيف يستعظمه ؟ وإن ارتقى إلى الدرجة العليا فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ما ذا يصرفه ؟ فالمال للّه عز وجل وله المنة عليه إذ أعطاه ووفقه لبذله فلم يستعظم في حق اللّه تعالى ما هو عين حق اللّه سبحانه ؟ وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه ؟ وأما العمل : فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن اللّه عز وجل ، فتكون هيئة الانكسار والحياء كهيئة من يطالب بردّ وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض لأن المال كله للّه عز وجل وبذل جميعه هو
شرح
البذل ) وأنقصه ( كما ذكرنا في فهم الوجوب ) قريبا ( فهو جدير ) حقيق ( بأن يستحيا منه ) وفي نسخة : من ذلك ( فكيف يستعظمه ) ؟ أي يعده عظيما ( وإن ارتقى ) في البذل ( إلى الدرجة ) الوسطى أو ( العليا فبذل كل ماله ) وهي الدرجة العليا ، فإن خرج عنه للّه ولم يبق له شيئا إلا وجه اللّه ( أو أكثره ) بأن بذل ثلثيه أو نصفه وثلثه وهي الدرجة الوسطى ( فليتأمل ) في نفسه ( من أين ) حصل ( له ) هذا ( المال ) ويذكر مبدأ نشأته من نطفة من ماء مهين وقد خرج من بطن أمه ولا شيء معه ، ( و ) يتأمل أيضا ( إلى ما ذا يصرفه ) وإلى من يصرفه ( فالمال للّه ) عز وجل أي ملك له وجوده لكونه وجد عنه ، ( وله المنة عليه إذ أعطاه ) ملك استحقاق لمن يستحقه ومن هو حق له ، ( ووفقه لبذله ) لمن هو أمانة بيده ، ( فلم يستعظم في حق اللّه ما هو غير حق اللّه ) وملك وجوده ( وإن كان مقامه يقتضي ) في ترقيه ( أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب ) والقرب من رب الأرباب ، ( فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه اضعافه ) مرات لما تقدم « إن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها له حتى تكون مثل جبل أحد » هذا هو الدواء العلمي . ( وأما العمل : فهو أن يعطيه عطاء الخجل ) أي المستحي ( من بخله بإمساك بقية ماله عن اللّه عز وجل ) فإن الذي يعطيه في سبيله إنما هو قل من كثر ( فتكون هيئته ) عند العطاء ( الانكسار والحياء ) والذل ( كهيئة من يطالب برد وديعة ) عنده أودعها شخص ، ( فيمسك بعضها ويرد البعض ) فيستقبحه ، فهذا المال عنده وديعة كما قال القائل :وما المال والأهلون إلا ودائع * ولا بد يوما أن ترد الودائع( لأن المال كله للّه عز وجل ) والعبد مستخلف فيه ويده يد أمانة وما هو ملك له شرعا لأنه لا يستحقه في نفس الأمر وهو تارك له وهو غير محمود ( وبذل جميعه ) صدقة للّه ( هو الأحب عند اللّه ) ليتفرغ قلبه عن الميل إلى سوى اللّه ، وهذا إن لم يكن من أهل الكشف بأن ما في يده لشخص معين ، ( وإنما لم يأمر به ) أي ببذله كله ( عبده ) بلسان الشرع ( لأنه يشق