إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ولا يمكن فيه المن والأذى ، بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل . أما العلم : فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير . وإنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرنا في
شرح
عما يقال ، فكيف بصاحب المشهد الذي يعاين ، فمن كان هذا مشهده أيضا من معط وآخذ يستعظم خلق اللّه إذ هو كله بهذه المثابة ، وقد يقع التعظيم له أيضا من باب كونه فقيرا لذلك الشيء محتاجا إليه من كون الحق جعله سببا لا يصل إلى حاجته إلا به ، سواء كان معطيا أو آخذا إذا كان هذا مشهده ، وقد يستعظم ذلك أيضا من حيث قول اللّه تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ[ فاطر : 15 ] فتسمى اللّه في هذه الآية بكل شيء يفتقر إليه وهذا منها ، وأسماء الحق معظمة وهذا من أسمائه . وهي دقيقة لا يتفطن إليها كل أحد إلا من شاهد هذا المشهد ، وهو من باب الغيرة الإلهية والنزول الإلهي العام ، فقد تستعظم الصدقة من هذا الكشف .
وأما استحقارها عند بعضهم فلمشهد آخر ليس هذا ، فإن مشاهد القوم وأحوالهم وأذواقهم ومشاربهم تحكم عليهم بقوتها وسلطانها ، وهل كل ما ذكرناه من الاستعظام إلا من باب حكم الأحوال والأذواق والمشاهد على أصحابها ، فمنها أن يشاهد إمكان ما يعطيه من صدقة إن كان معطيا أو ما يأخذ إن كان آخذا والإمكان للمكن صفة افتقارية وذلة وحاجة وحقارة فيستحقر صاحب هذا المشهد كل شيء سواء كان ذلك من أنفس الأشياء في العادة أو غير نفيس ، وقد يكون مشربه أيضا في الاستحقار من يعطي من أجل اللّه أو يأخذ بيد اللّه .
رأيت بعض أهل اللّه وشخص قد سأله فقير أن يعطيه شيئا لأجل اللّه وهو ينتقي من صرة في يده فيها قطع فضة صغار وكبار ، فانتقى منها أصغرها ودفعها للسائل فقال لي ذلك الرجل الصالح يا أخي تعرف على ما ينتقي هذا المعطى من هذه القطع ؟ قلت له : لا . قال لي : إنما ينتقي قيمته عند اللّه ، فكلما خرجت له قطعة كبيرة يقول ما نسوى هذا عند اللّه فما أعطى للّه إلا قدر ما يسوى عند اللّه لأن السائل من أجل اللّه سأل وكل محتقر في جنب اللّه إذ لا يقاوم اللّه شيء فلا بدّ من الاستحقار لمن هذا مشهده وأمثال هذا مما يطول ذكره ، وقد نبهنا على ما فيه كفاية من ذلك مما يدخل فيه الأربعة الأقسام التي قسمنا العالم إليها في أول الفصل ، واللّه أعلم اه . فتأمل ذلك فإنه يميز لك مشارب العارفين وأذواقهم في الاستعظام والاستحقار باختلاف الاعتبارات والكل صحيح .
ثم قال المصنف بناء على مشربه الذي عوّل عليه : ( وليس الاستعظام هو المن والأذى ) كما يظهر في أول وهلة ، ( فإنه ) لو قدر أنه ( لو صرف ماله إلى عمارة مسجد ) يصلي فيه ( أو ) عمارة ( رباط ) يسكنه المرابطون ( أمكن فيه الاستعظام ) ولا يتصور فيه المن والأذى ، ( بل العجب والاستعظام يجري في جميع العبادات ) وهو واد مهلك ( ودواؤه ) المعجون المركب من ( علم وعمل : أما العلم : فهو أن يعلم ) ويتحقق ( أن العشر ) من ماله ( أو ربع العشر قليل من كثير ) وهذا ظاهر لكل متأمل ، ( وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات