تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال . قال تعالى :
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً
[ التوبة : 25 ] ويقال : إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند اللّه عز وجل . والمعصية كلما استعظمت صغرت عند اللّه عز وجل . وقيل : لا يتم المعروف إلا بثلاثة أمور تصغيره وتعجيله وستره . وليس الاستعظام هو المن والأذى ، فإنه لو صرف ماله
شرح
( الوظيفة السادسة : أن يستصغر ) المعطي ( العطية ) ويستقلها ( فإنه إن استعظمها ) في نفسه ( أعجب بها والعجب من المهلكات ) ، كما روى الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر ، ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » وقد تقدم قريبا ، ( وهو ) مع كونه مهلكا ( محبط للأعمال ) أي مفسد لها ومهدر . ( قال اللّه تعالى ) مخاطبا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : ( ويوم حنين ) أي أذكر بوم حنين ، وهو مصغر واد بين مكة والطائف مذكر منصرف وقد يؤنث على معنى البقعة( إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً )[ التوبة : 25 ] . وقصته أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فتح مكة في رمضان سنة ثمان خرج منها لقتال هوازن وثقيف ، وقد بقيت أيام من رمضان فصار إلى حنين ، فلما التقى الجمعان قال بعض المسلمين : لن نغلب عن كثرة فداخلهم العجب ، فانكشف المسلمون ثم أمدهم اللّه بنصره وعطفوا وقاتلوا المشركين فهزموهم وغنموا أموالهم وعيالهم ، ثم سار المشركون إلى أوطاس واقتتلوا فانهزم المشركون إلى الطائف وغنم المسلمون منها أيضا أموالهم وعيالهم ، ثم سار إلى الطائف فقاتلهم بقية شوال ، فلما أهل ذو القعدة ترك القتال لأنه شهر حرام ورحل راجعا ، فنزل الجعرانة وقسم غنائم أوطاس وحنين ويقال : كانت ستة آلاف سبي . ( ويقال : إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند اللّه تعالى ، و ) أن ( المعصية كلما استعظمت صغرت عند اللّه تعالى ) كذا في القوت ، ( وقيل ) عن بعض العلماء ( لا يتم المعروف إلا بثلاث ) صفات ( تصغيره ) أي استحقاره واستقلاله ، ( وتعجيله ) أي المسارعة في إيصاله إلى المستحق ، ( وستره ) بأن لا يذكره على لسانه ولا يبث به نقله صاحب القوت . واعلم أن ما ذهب إليه المصنف تبعا لصاحب القوت وغيره من العارفين هو المشهور عندهم من استحقار ما يعطى ، والذي صرح به الشيخ الأكبر قدس سره في كتاب الشريعة أن الأذواق والمشارب في هذه المسألة مختلفة بحسب أحوالهم ، وأشار إلى أن منهم من يرى استعظام ما يعطي وهو أيضا مشهد من مشاهدهم ، فقال : الناس على أربعة أقسام ، فيما يعطونه وفيما يأخذونه : قسم يستعظم ما يعطي ويستحقر ما يأخذ ، وقسم يستحقر ما يعطي ويستعظم ما يأخذ ، وقسم يستحقر ما يعطي وما يأخذ ، وقسم يستعظم ما يعطي وما يأخذ ، ولهذا منهم من ينتقي وهم الذين لا يرون وجه الحق في الأشياء ، ومنهم من لا ينتقي وهم الذين يرون وجه الحق في الأشياء ، وقد ينتقون لحاجة الوقت وقد لا ينتقون لاطلاعهم على فقرهم المطلق فمنهم ومنهم فإن مشاربهم مختلفة
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 201 | مرتضى الزبيدي