تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
شرح
وكذلك مشاهدهم ، فإن الحال للنفس الناطقة كالمزاج للنفس الحيوانية فإن المزاج على الجسم والحال حاكم على النفس . ثم اعلم أن استعظام الصدقة مشروع قال اللّه تعالى :فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ[ الحج : 28 ] وقالوَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ[ الحج : 36 ] يعني من البدن التي جعلها اللّه من شعائر اللّهوَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِلَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِيعني البدن . وفي هذه القصة قالوَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ[ البقرة : 3 ] وقد تقدم في شرح المنفق الذي الإنفاق منه كونه له وجهان ، فكذلك هنا فنالنا منها لحومها ، ونال الحق منها التقوى منا فيها ، ومن تقواها تعظيمها فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب عند بعض العارفين ، فلهذا يستعظم ما يعطي إن كان معطيا أو ما يأخذ إن كان آخذا ، وقد يكون مشهده ذوقا آخر وهو أول مشهد ذقناه من هذا الباب في هذا الطريق ، وهو أني حملت في يدي يوما شيئا محقرا مستقذرا في العادة عند العامة لم يكن أمثالنا يحمل مثل ذلك من أجل ما في النفوس من رعونة الطبع ومحبة التميز على من لا يلحظ بعين التعظيم ، فرأيت شيخنا ومعه أصحابه مقبلا فقال له أصحابه : يا سيدنا هذا فلان قد أقبل وما قصر في الطريق لقد جاء هو نفسه تراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذا وذكروا له ما كان بيدي ، فقال الشيخ : فلعله ما حمله مجاهدة لنفسه . قالوا له : فما ثم إلا هذا . قال : فسلوه إذا اجتمع بنا ، فلما وصلت إليهم سلمت على الشيخ فقال لي بعد رد السلام بأي خاطر حملت هذا في يدك وهو أمر مستحقر وأهل منصبك من أرباب الدنيا لا يحملون مثل هذا في أيديهم لحقارته واستقذاره ؟ فقلت له : يا سيدنا حاشاك من هذا النظر ما هو نظر مثلك إن اللّه تعالى ما استقذره ولا حقره لما علق القدرة بإيجاده كما علقها بإيجاد العرش وما تعظمونه من المخلوقات ، فكيف بي وأنا عبد حقير ضعيف أستحقر أو أستقذر ما هو بهذه المثابة فقبلني ودعا لي وقال لأصحابه : أين هذا الخاطر من حمل الجاهد نفسه ، فقد يكون استعظام الصدقة من هذا الباب في حق المعطي وفي حق الآخذ ، فلاستعظام الأشياء وجوه مختلفة يعتبرها أهل اللّه ، أوحى اللّه إلى موسى يا موسى : إذا جاءتك من أحد باقلاة مسوسة فاقبلها فإني الذي جئت بها إليك فيستعظمها المعطي من حيث أنه نائب عن الحق في إيصالها ، ويستعظمها الآخذ من حيث أن اللّه جاء بها إليه ، فيد المعطي هنا يد الحق عن مشاهدة أو إيمان قوي ، فإن اللّه تعالى يقول : إن اللّه قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده ، فأضاف القول إليه والعبد هو الناطق بذلك ، وقال تعالى في الخبر : كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا ، وقد يكون استعظامها عند أهل الكشف لما يرى ويشاهد ويسمع من تسبيح تلك الصدقة أو العطية أو الهبة أو الهدية أو ما كانت للّه تعالى وتعظيمها لخالقها باللسان الذي يليق بها من قوله تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[ الإسراء : 44 ] فتعظم عنده لما عندها من تعظيم الحق وعدم الغفلة والفتور دائما كما تعظم الملوك الصالحين وإن كانوا فقراء مهانين عبيدا كانوا أو إماء ، وأهل بلاء كانوا أو معافين ، ويتبركون بهم لانتسابهم إلى طاعة اللّه