بمثله ، وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد اللّه رضي اللّه عنهما ، وهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ، ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها من حيث العمل وذلك من حيث العلم ولا يعالج القلب إلا بمعجون العلم والعمل ، وهذه الشريطة من الزكوات تجري مجرى الخشوع من الصلاة ، وثبت ذلك بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها » . وهذا كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يتقبل اللّه صدقة منان » وكقوله عز وجل :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] ، وأما فتوى الفقيه بوقوعها موقعها وبراءة ذمته عنها دون هذا الشرط فحديث آخر ، وقد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة .
شرح
صدقتنا ، فكانوا لا يتوقعون الدعاء ) منه في تلك الحالة ( ولأنه شبه المكافأة ) على المعروف ( فكانوا ) يتحفظون من ذلك و ( يقابلون الدعاء بمثله ) وهو أقرب إلى التواضع ، وأن لا ترى أنك مستحق لذلك لما وصلت به لأنك عامل في واجب عليك لمعبودك أو توفي للمعطي رزقه وما قسم له من تعبدك بذلك . ( وهكذا فعل عمر بن الخطاب وابنه عبد اللّه رضي اللّه عنهما ) في مقابلة الدعاء بمثله ، ( فهكذا كان أرباب القلوب يداوون قلوبهم ) وهو يدل على معرفة العبد بربه وحسن أدبه في عبادته ، ومن أحب الثناء والذكر على معروفه كان ذلك حظه منه وبطل أجره ، وربما كان عليه فضل من الوزر لمحبته الثناء والذكر فيما للّه تعالى أن يفعله ، أو في رزق اللّه تعالى لعبده الذي أجراه على يده ، فإن تخلص سواء بسواء فما أحسن حاله .
( ولا دواء من حيث الظاهر إلا هذه الأعمال الدالة على التذلل والتواضع وقبول المنة ، ومن حيث الباطن المعارف التي ذكرناها ) آنفا ( هذا من حيث العمل وذلك من حيث العلم ) والمرض المذكور منبعه القلب ( ولا يعالج القلب ) إذا وجد فيه هذا الداء ( إلا بمعجون ) مركب من ( العلم والعمل ) ، فبعض أجزائه من العلم وبعضها من العمل ليتعادل في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة . ( وهذه الشريطة في الزكوات تجري مجرى الخشوع من الصلاة ) وكل منهما ثابت بالكتاب والسنة ( ثبت ذلك ) بقوله تعالى :لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى[ النساء : 43 ] وبقوله تعالى :الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ[ المؤمنون : 2 ] و ( بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها » ) تقدم الكلام عليه في كتاب الصلاة . ( وثبت هذا بقوله : صلّى اللّه عليه وسلم « لا يقبل اللّه صدقة منان » ) تقدم الكلام عليه قريبا وأنه لم يرو بهذا اللفظ ، وإنما معناه في حديث الترمذي وغيره ، ( وبقوله عز وجللا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى )[ البقرة : 264 ] وهو يدل على أن المنان صدقته باطلة . ( وأما فتوى الفقيه بوقوعها ) أي الزكاة ( موقعها وبراءة ذمته منها فهو دون هذا الشرط ، وفي حديث آخر ) ولكل مقام مقال ، ( وقد أشرنا إلى معناه في كتاب الصلاة ) فراجعه وقس عليه .