تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
فإن قلت : فهذا أمر غامض ولا ينفك قلب أحد عنه فما دواؤه ؟ فاعلم أن له دواء باطنا ودواء ظاهرا . أما الباطن ؛ فالمعرفة بالحقائق التي ذكرناها في فهم الوجوب وأن الفقير هو المحسن إليه في تطهيره بالقبول . وأما الظاهر ؛ فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلب بالأخلاق - كما سيأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب - ولهذا كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويتمثل قائما بين يديه يسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائلين وهو يستشعر مع ذلك كراهية لو ردّه . وكان بعضهم يبسط كفه ليأخذ الفقير من كفه وتكون يد الفقير هي العليا . وكانت عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما إذا أرسلتا معروفا إلى فقير قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ، ثم كانتا تردان عليه مثل قوله وتقولان : هذا بذاك حتى تخلص لنا صدقتنا . فكانوا لا يتوقعون الدعاء لأنه شبه المكافأة وكانوا يقابلون الدعاء
شرح
قلت : فهذا أمر غامض ) خفي المدرك ( ولا ينفك قلب أحد عنه ) بحكم التسويل الشيطاني ( فما دواؤه ) : أي علاجه الذي يداوى به هذا المرض الخفي . ( فاعلم أن له دواء باطنا ودواء ظاهرا ، أما ) الدواء ( الباطن : فالمعرفة ) الخاصة ( بالحقائق ) هي المعاني الثلاثة ( التي ذكرناها في فهم الوجوب و ) خلاصته معرفة ( أن الفقير هو المحسن إلى الغني في تطهيره ) عن رذيلة البخل وتطهير ماله ( بالقبول ) فمتى عرف هذا المعنى وتأمل فيه زال ما في قلبه من الريبة والتردد ، ( وأما ) الدواء ( الظاهر : فالأعمال التي يتعاطاها متقلد المنة ) على عنقه ، ( فإن الأفعال التي تصدر عن الأخلاق تصبغ القلوب بالأخلاق ) وتؤثر سرها فيها ( - كما ستأتي أسراره في الشطر الأخير من الكتاب - ) إن شاء اللّه تعالى فإذا وصلت إلى الفقير معروفا فبحسن أدب ولين جانب ولطف كلام وتواضع وتذلل ، ( ولذلك كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ) على الأرض ( ويمثل قائما بين يديه ويسأله قبولها ) منه ( حتى يكون هو في صورة السائلين ) ولا يناوله بيده إعظاما ( وهو يستشعر مع ذلك كراهية الرد ) منه ( لوردت عليه ) نقله صاحب القوت ( وكان بعضهم ) إذا أراد أن يدفع إلى فقير شيئا ( يبسط كفه ) بالعطاء ( ليأخذ الفقير منه لتكون يد الفقير هي العليا ) ويد المعطي هي السفلى نقله صاحب القوت ، قال : فإذا دعا لك مسكين عند الصدقة فاردد عليه مثل دعائه حتى يكون ذلك جزاء لقوله وتخلص لك صدقتك ، وإلا كان دعاؤه مكافأة على معروفك . ( وكانت عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما إذا أرسلتا معروفا ) أي صدقة ( إلى فقير ) وأصل المعروف ما يعرفه الشرع من الخير والرفق والإحسان ، ومنه قولهم : من كان آمرا بالمعروف فليأمر بالمعروف . أي : من أمر بخير فليأمر برفق ( قالتا للرسول : احفظ ما يدعو به ، ثم كانتا تردان عليه مثل قوله ) في الدعاء ( وتقولان : هذا بذاك حتى تخلص لنا
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 199 | مرتضى الزبيدي