الوظيفة الخامسة : أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى . قال اللّه تعالى :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] واختلفوا في حقيقة المن والأذى فقيل المن
شرح
ذلك ، فإنما ذلك خطاب بلسان العامة الجهلاء ما هو لسان أهل اللّه ، ونحن إنما نتكلم مع أهل اللّه في ذلك ، ولقد كان شيخنا يقول لأصحابه : اعلنوا بالطاعة كما يعلن هؤلاء بالمعاصي ، فإن كلمة اللّه هي العليا . قال بعضهم لأصحاب شيخ مقبر : بما ذا كان يأمركم الشيخ ؟ قال : كان يأمرنا بإخفاء الأعمال ورؤية التقصير فيها ، فقال : أمركم بالمجوسية المحضة هلا أمركم بإظهار الأعمال وبرؤية مجريها ومنشئها على أيديكم فهذا من هذا الباب فقد نبهتك على السر والإعلان في العطايا مع الخلاف الذي بين علماء الرسوم في الصدقة المكتوبة وصدقة التطوع وهو مشهور لا يحتاج إلى ذكره .
وأما الكامل من أهل اللّه ، فهو الذي يعطي بالحالتين ليجمع بين المقامين ، ويحصل النتيجتين وينظر بالعينين ، فيعلن في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق آثر فيه الإعلان ، ويسر في وقت في الموضع الذي يرى أن الحق تعالى آثر فيه الإسرار وهو الأولى بالمكمل من أهل اللّه اه .
قلت : والحق أن ما ذكره المصنف هو تسليك للمريد السالك في طريق الآخرة نظرا إلى أنه لا ينفك غالب أحواله من الاتصاف بما لا يجوز له الدخول في الحضرة الإلهية ، فمثل هذا لا يغلب على قلبه مشاهدة الحق في كل شيء وإن ما ذكره الشيخ قدس سره فهو مسلم أيضا وهو مشهد كمل العارفين الذين جازوا هذه المفاوز وقطعوا تلك الفيافي فهم يشهدون في المظاهر والتعينات ما لا يدخل تحت وزن ، فقد يكون المحذور عندهم عين المحضور والمنظور فلا معارضة بين الكلامين لأن كلّا منهما باعتبارين مختلفين ، ومع ذلك فالأذواق تختلف باختلاف المشارب وللناس فيما يألفون مذاهب واللّه أعلم .
( الوظيفة الخامسة : أن لا يفسد صدقته بالمن والأذى قال اللّه تعالى ) :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى )كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ[ البقرة : 264 ] شبه سبحانه الذي يبطل صدقته بالمن والأذى بالذي ينفق ماله رئاء الناس لأجل مدحتهم وشهرته بالصفات الجميلة مظهرا أنه يريد وجه اللّه ، ولا ريب أن الذي يرائي في صدقته أسوأ حالا من المتصدق بالمن ، لأنه معلوم أن المشبه به أقوى حالا من المشبه ، ومن ثم قال اللّه تعالى :وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِثم ضرب مثل ذلك المرائي بالإنفاق بقوله :فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ[ البقرة : 264 ] أي حجر أملس عليه تراب فأصابه وإبل مطر كبير القطر فتركه صلدا أملس نقيا من التراب ، كذلك أعمال المرائين تضمحل عند اللّه فلا يجد المرائي بالإنفاق يوم القيامة ثواب شيء من نفقته كما لا يحصل النبات من الأرض الصلدة ، والضمير في لا يقدرون للذي ينفق باعتبار المعنى ، لأن المراد الجنس أو الجمع أي : لا ينتفعون بما فعلوا ولا يجدون ثوابه ، وفي قوله تعالى :وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ[ البقرة : 264 ] تعريض بأن الرياء والمن