الوظيفة الرابعة : أن يظهر حيث يعلم أن في إظهاره ترغيبا للناس في الاقتداء ويحرس سره من داعية الرياء بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء ، فقد قال اللّه عز وجل :
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ
[ البقرة : 271 ] وذلك حيث يقتضي الحال الإبداء إما للاقتداء وإما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس ، فلا ينبغي أن يترك التصدق خيفة من الرياء في الإظهار ، بل ينبغي أن يتصدق ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ، وهذا لأن في الإظهار محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير ، فإنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج فمن أظهر السؤال فهو الذي هتك ستر نفسه فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره وهو كإظهار الفسق على من تستر به ، فإنه محظور والتجسس فيه والاغتياب بذكره منهي عنه ، فأما من أظهره فإقامة الحد عليه إشاعة ، ولكن هو السبب فيها . وبمثل هذا المعنى قال صلّى اللّه عليه وسلم : « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة
شرح
( الوظيفة الرابعة . أن يظهر ) عطاءه ( حيث يعلم أن في إظهاره ) على مرأى من الناس ( ترغيبا للناس في الاقتداء ) به ، وإرادة للسنة وتحريضا على مثل ذلك من غيره لينافس فيه أخوه ويسرع إلى مثله أمثاله منهم ( ويحرس سره ) أن يحفظ باطنه ( عن داعية الرياء ) والسمعة ( بالطريق الذي سنذكره في معالجة الرياء في كتاب الرياء ) من ربع المهلكات فهو حسن ، وذلك من التحاض على طعام المسكين ، ( فقد قال اللّه تعالى :إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ) وهي أعم من أن تكون واجبة أو تطوعا ولكن إطلاقها في التطوع أكثر كما سيأتي ( فنعما هي ) [ البقرة : 27 ] فمدح المبدي بنعم ( وذلك ) لا يحسن إلا ( حيث يقتضي الحال الإبداء ) أي الإظهار ، ( إما للاقتداء ) والتأسي أي كي يقتدي به أمثاله كما تقدم ( وأما لأن السائل إنما سأل على ملأ من الناس ) فأظهر نفسه وكشفها للسؤال وآثر التبذل على الصون والتعفف ، ( فلا ينبغي أن يترك التصدق ) عليه في تلك الحالة ( خيفة من الرياء في الإظهار ، بل ينبغي أن يتصدق ) عليه ( ويحفظ سره عن الرياء بقدر الإمكان ) ، فكان مفاد هذه الآية لهذا السائل الذي يسأل بلسانه وكفه ، والآية التي بعدها كأنها للمستخفين بالمسألة وهي لخصوص الفقراء الذين لا يظهرون نفوسهم بها يمنعهم الحياء والتعفف ، فمن أظهر نفسه فأظهر إليه ومن أخفاها فاخف له . ( وهذا لأن في الأطهار محذورا ثالثا سوى المن والرياء وهو هتك ستر الفقير لأنه ربما يتأذى بأن يرى في صورة المحتاج ) بمد لسانه وكفه ، ( فمن أظهر السؤال ) وأبدى صفحة خده للتكفف ( فهو الذي هتك ستر نفسه ) بنفسه ونصال قرابه أدمى يده ( فلا يحذر هذا المعنى في إظهاره وهو ) بهذا الاعتبار ( كإظهار الفسق على من يتستر به ، فإنه محظور ) أي ممنوع شرعا ( والتجسس فيه والاغتياب بذكره منهي عنه ) بلسان الشرع ، ( فأما من أظهره ) أي الفسق وتجاهر به ( فإقامة الحد عليه إشاعة ) في الخلق وإظهار ، ( ولكن هو السبب فيها ) والحامل لها أي كشف عورة الفاسق إنما حرم عليك أن تظهر عورة