تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
أحوال القلب وصفاته ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه ، وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق اللّه عز وجل منه الذي هو طهرته ونجاته من النار ، وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به ، فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن اللّه عز وجل في قبض حق اللّه عز وجل ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الصدقة تقع بيد اللّه عز وجل قبل أن تقع في يد السائل » فليتحقق أنه
شرح
عدلا عاق ومنان ومكذب بالقدر » وعنده أيضا من حديث ابن عمر « ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة المنان عطاءه ، والمسبل إزاره خيلاء ، ومدمن الخمر » . وعند مسلم ، والنسائي ، والحاكم من حديثه بلفظ : « العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنان ما أعطى » فهذه الأحديث تصلح للاحتجاج لما ساقه المصنف في الباب على أنه يفهم من سياق ما أوردناه من حديث ابن عمر عند الطبراني صحة ما أورده المصنف باللفظ المذكور فتأمل . ( وعندي أن المن ) في الأعطية سواء كان في الواجب أو في التطوع ( له أصل ) يعتمد عليه ( ومغرس ) تتفرع منه أفنانه ( وهو من أحوال القلب وصفاته ) المعنوية لا تعلق للجوارح عليها إلا باعتبار ، ( ثم تتفرع عليه ) أي على ذلك الأصل ( أفعال ظاهرة على اللسان والجوارح ) هي ثمرات أفنانه الباسقة عن ذلك الأصل ( وأصله أن يرى المعطي نفسه محسنا إليه ) بعطائه ( ومنعما عليه ) به ، ( وحقه أن يرى الفقير ) الآخذ ( هو المحسن بقبول حق اللّه منه ) وهو الواجب عليه إنفاقه ( الذي هو طهرته ) من الأخلاق الرذيلة من البخل والشح والإقتار وطهرة ماله كذلك ، ( ونجاته من النار ) إذ يوقى بها من ميتة السوء كما في حديث الترمذي ، وإليه يشير حديث البخاري « اتقوا النار ولو بشق تمرة » كما سيأتي . ( و ) يرى ( أنه لو لم يقبله ) الفقير منه ( لبقي ) صاحبه ( مرتهنا به ) معلقا كالرهن في ذمته ، ( فحقه أن يتقلد ) في عنقه منة ( من الفقير ) إذ قبله منه ولم يرده و ( إذ جعل كفه نائبا ) في الأخذ ( عن اللّه في قبض حق اللّه ) . وقد أشار إليه صاحب القوت حيث قال : وليكن ناظرا إلى نعمة اللّه تعالى عليه عارفا بحسن توفيقه له ، وأن يعتقد فضل من يعطيه من الفقراء عليه ولا ينتقصه بقلبه ولا يزدريه ، وليعلم أن الفقير خير منه لأنه جعل طهرة وزكاة له ورفعة ودرجة في دار المقامة والحياة ، وأنه هو قد جعل سخرة للفقير وعمارة لدنياه ، كما حدثنا عن بعض العارفين قال : أريد مني ترك التكسب وكنت ذا صنعة جليلة فجال في نفسي من أين المعاش فهتف بي هاتف : لا أراك تنقطع إلينا وتتهمنا فيك علينا أن نخدمك وليا من أوليائنا أو نسخر لك منافقا من أعدائنا اه . ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن الصدقة تقع بيد اللّه تعالى قبل أن تقع في يد السائل » ) قال العراقي : رواه الدارقطني في الافراد من حديث ابن عباس وقال : غريب من حديث عكرمة عنه ، والبيهقي في الشعب بسند ضعيف اه .