تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
مسلم إلى اللّه عز وجل حقه ، والفقير آخذ من اللّه تعالى رزقه بعد صيرورته إلى اللّه عز
شرح
وأورده صاحب القوت ولفظه « قبل أن تقع بيد السائل » اه . ( فليتحقق أنه في إعطائه هذا مسلم إلى اللّه عز وجل حقه ، والفقير آخذ من اللّه تعالى رزقه بعد صيرورته إلى اللّه عز وجل ) ، وهذا شأن الموقنين فإنهم يأخذون الرزق من يد اللّه تعالى ولا يعبدون إلا إياه ولا يطلبون إلا منه كما أمرهم بقوله :فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ[ العنكبوت : 17 ] . وفي كتاب الشريعة : العارفون باللّه على مراتب : منهم الذين يعطون ما بأيديهم كرما إلهيا وتخلقا المستحق وغير المستحق ، والآخذ في الحقيقة مستحق لأنه ما أخذ إلا بصفة الفقر والحاجة لا بغيرها كالتاجر الغني صاحب الآلاف يجوب القفار ويركب البحار ويقاسي الأخطار ويتغرب عن الأهل والولد ويعرض بنفسه وماله للتلف في أسفاره ، وذلك لطلب درهم زائد على ما عنده ، فحكمت عليه صفة الفقر عن مطالعة هذه الأحوال ، وهونت عليه الشدائد لأن سلطان هذه الصفة في العبد قوي ، فمن نظر هذا النظر الذي هو الحق فإنه يرى أن كل من أعطاه شيئا أخذه منه ذلك الآخر ، فإنه مستحق لمعرفته بالصفة التي أخذها منه إلا أن يأخذها قضاء حاجة له لكونه يتضرر بالرد عليه أو لستر مقامه بالأخذ ، فذلك يده يد حق ، كما ورد أن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل ، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ، فهذا أخذ من غير خاطر حاجة في الوقت وغاب عن أصله الذي حركه للأخذ ، وهو أن تقتضيه حقيقة الممكن ، فهذا شخص قد استترت عنه حقيقته في الأخذ بهذا الأمر العرض ، فنحن نعرفه حين يجهل نفسه فما أعطى إلا غني عما أعطاه سواء كان لغرض أو عوض أو ما كان فإنه غني عما أعطى ، وما أخذ إلا مستحق أو محتاج لما أخذ لغرض أو عوض أو ما كان لأن الحاجة إلى تربية ما أخذ حاجة إذ لا يكون مربيا إلا بعد الأخذ فافهم فإنه دقيق غامض اه . وقال في موضع آخر : الصدقة إذا حصلت في يد المتصدق عليه أخذها الرحمن بيمينه فإن كان المعطي في نفس هذا العبد حين يعطيها هو اللّه ، فلتكن يده تعلو يد المتصدق عليه ، ولا بد فإن اليد العليا هي يد اللّه ، وإن شاهد هذا المعطي يد الرحمن آخذة منه حين يتناولها المتصدق عليه فتبقى يده من حيث اللّه تعالى على يد الرحمن كما هي ، فإنه صفته له والرحمن نعت من نعوت اللّه تعالى ، ولكن ما يأخذ منها عينها ، وإنما يناله تقوى المعطي في إعطائه ، وأكمل وجوهه فيشهد المعطي أن اللّه هو المعطي ، وأن الرحمن هو الآخذ فإذا أخذها الرحمن في كفيه بيمينه جعل محلها هذا العبد فأعطاه الرحمن إياها ولا يتمكن إلا ذلك ، فإن الصدقة رحمة فلا يوصيها إلا الرحمن بحقيقته ، وتناولها اللّه من حيث ما هو موصوف بالرحمن الرحيم لا من حيث مطلق الاسم ، فمثل هذه الصدقة إذا أكلها المتصدق عليه أثمرت له طاعة وهداية ونورا وعلما اه .