تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » وقال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[ الحشر : 9 ] وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا وكيفية التقصي منه ، وإنما تزول صفة البخل بأن تتعود بذل المال فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا . فالزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر
شرح
الاعتبار قال المصنف : ( فإنه من المهلكات ) ثم استدل عليه بالحديث فقال : ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه » ) رواه أبو الشيخ في كتاب التوبيخ ، والبزار ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، والطبراني في الأوسط من حديث أنس وسنده ضعيف ، وقد تقدم هذا الحديث للمصنف في كتاب العلم وتكلمنا عليه هناك . قال الراغب : خص المطاع لينبه أن الشح في النفس ليس بما يستحق به ذم إذ ليس هو من فعله ، وإنما يذم بالانقياد له اه . وهو يشير إلى ما ذكرنا قريبا أنه من لوازم الفقر والفقر مما جبل عليه الإنسان بل هو حقيقته . وقال القرطبي : إعجاب المرء بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال مع نسيان نعمة اللّه ، فإن احتقر مع ذلك غيره فهو الكبر . ( وقال اللّه تعالى :وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ الحشر : 9 ] ) وقال تعالى :وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ[ النساء : 128 ] وفي الخبر لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدا . اعلم أن الشحس يقابل السخاء ، والبخل يقابل الجود هذا هو الأصل وإن كان قد يستعمل كل واحد منهما في الآخر . ويدل على صحة هذا الفرق أنهم جعلوا الفاعل من السخاء والشح على بقاء الأفعال الغريزية ، فقالوا : شحيح وسخي ، وقالوا : جواد وباخل ، وأما قولهم بخيل فمصروف عن لفظه الفاعل للمبالغة كقولهم : راحم ورحيم ، وقد عظم اللّه الشح وخوّف منه ، والبخل على ثلاثة أضرب : بخل الإنسان بماله ، وبخله بمال غيره على غيره ، وبخله على نفسه بمال غيره وهو أقبح الثلاثة ، والمال عارية في يد الإنسان مستردة ولا أحد أجهل ممن لا ينقذ نفسه من العذاب الدائم بمال غيره قاله الراغب في الذريعة . فالنفس مجبولة على حب المال وجمعه ، والكرم فيها تخلق لا خلق ، والشح من لوازم حب المال وتطهيرها منه بذله لما يحبه . ( وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا وكيفية التوقي منه ) إن شاء اللّه تعالى ( وإنما تزول صفة البخل ) والشح ( بأن يتعوّد بذل المال ) أي يجعل صرفه في مواضعه عادة له تخلقا ( فحب الشيء لا ينقطع إلا بقهر النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتيادا ) أي عادة له . ( والزكاة بهذا المعنى طهرة أي تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك ) كما تطهر ماله فلا يطلق عليه اسم البخل ، وإنما اشتدت على الغافلين لكونهم قد تحققوا أن أموالهم لهم ملك وأنه لا حق لغيرهم فيما ملكت أيمانهم من الأموال لا من دين ولا من بيع ولا غير ذلك ، فلما