اقتصر جميع العوام عليها لبخلهم بالمال وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة . قال اللّه تعالى :
إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا
[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 37 ] يحفكم أي يستقصي عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله ، فهذا أحد معاني أمر اللّه سبحانه عباده ببذل الأموال .
المعنى الثاني : التطهير من صفة البخل فإنه من المهلكات . قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلاث
شرح
ينقصون عنه ) ويقفون على هذا الحد ( وهي أقل الرتب ) عند العارفين باللّه إذ جعل صاحب هذا المقام ما عدا المخرج ملك استحقاق خصه لنفسه ولم يلاحظ ملك الأمانة ، ( وقد اقتصر جميع العوام ) أي عامة الناس ( عليها ) أي على هذه الرتبة ، وفي نسخة « عليه » وليس المراد بالعوام السوقة وأهل المكاسب ، بل يدخل فيهم كل من لم يغرف في طريق القوم مشربا من مشاربهم ولا خبرة عنده بالوجوه والاعتبارات والنسب في أسرار معاملة اللّه مع عباده ، ( لبخلهم بالمال ) وإمساكهم له ( وميلهم إليه وضعف حبهم للآخرة ) ، ومنشأ هذا كله الجهل بمقامي الربوبية والعبودية ، فصاحب القسم الثاني عارف من حيث سره الرباني مستخلف فيما بيده من المال فهو كالوصي على مال المحجور عليه يخرج عنه الزكاة ، وصاحب القسم الثالث وإن كان مثله في كونه جامعا فإنه لا يعلم ذلك ، فأضيف المال إليه فقيل له :
أموالكم فيخرج منها الزكاة فالعارف يخرجها بحكم الوصاية ، والثاني يخرجها بحكم الملك فما يؤمن أكثرهم باللّه إلا وهم مشركون ، وكلا الفريقين صادق وصاحب دليل فيما نسب إليه ، فلولا المحبة ما فرضت الزكاة ليثابوا ثواب من رزق في محبوبه ، ولولا المناسبة بين المحب والحبيب لما كانت محبة ولا تصوّر وجودها ، ولما كان حب المال منوطا بالقلوب صاغ لهم السامري العجل من حليهم لأن قلوبهم تابعة لأموالهم فسارعوا إلى عبادته حين دعاهم إلى ذلك وفي غلبة ميلهم إلى حب المال .
( قال اللّه تعالى :إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 37 ] ) معنى قوله :
( يحفكم أي يستقصي عليكم ) يقال أحفاه في المسألة بمعنى ألحّ وألحف واستقصى ، ( فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له ) عوض ما بذله ( الجنة وبين عبد لا يستقصي ) أي لا يبالغ عليه ( لبخله ) شتان بينهما . ( فهذا أحد معاني أمر اللّه تعالى عباده بفضل الأموال ) .
( المعنى الثاني : التطهير من صفة البخل ) أي تطهير النفس منها ، فإنها قد جبلت على الشحّ والبخل ، وسبب ذلك أنه خلق فقيرا محتاجا لأنه ممكن بالأصالة ، وكل ممكن مفتقر إلى مرجح فالفقر له لازم ، والإنسان ما دامت حياته مرتبطة بجسده فإن حاجته بين عينيه وفقره مشهود له ، وبه يأتيه اللعين في وعده فقالالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ[ البقرة : 268 ] فلا يغلب نفسه ولا الشيطان إلا الشديد بالتوفيق الإلهي ، فإنه يقاتل نفسه والشيطان المساعد لها عليه ، فلو لم يأمل البقاء وتيقن بالفراق لهان عليه إعطاء المال لأنه مأخوذ عنه بالقهر والغلبة شاء أو أبى ، وبهذا