سوى المحبوب عنده وهو اللّه ورسوله . القسم الثاني : درجتهم دون درجة هؤلاء وهم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات ومواسم الخيرات فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم وصرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر
شرح
المقام إما أن يكون ممن كشف عن أسماء من هي له وهم أهل القسم الثاني ، وسيأتي ذكرهم في الذي يليه ، ومنهم من لا يكشف له ذلك فلا يعرف على التعيين ما هو رزقه من الذي هو عنده ، فإذا كوشف فيعمل بحسب كشفه ، فإن الحكم للعلم في ذلك ، وإن لم يكاشف فالأولى أن يخرج عن ماله كله صدقة للّه ورزقه لا بدّ أن يأتيه ثقة بما عند اللّه إن كان قد بقي له عند اللّه ما يستحقه وإن لم يبق له عند اللّه شيء فلا ينفعه إمساك ما هو ملك له شرعا ، فإنه لا يستحقه في نفس الأمر وهو تارك له وهو غير محمود . هذه أحوال العارفين .
وقد يخرج صاحب الكشف عن ماله كله عن كشف لأنه يرى عليه اسم الغير فلا يستحق منه شيئا فتنبه بالصورة من خرج عن ماله كله من غير كشف ، فإن لم يكن عنده ثقة باللّه فيذمه الشرع إن لم يخرج من ماله كله ، ثم بعد ذلك يسأل الناس الصدقة فمثل هؤلاء لا تقبل صدقته كما ورد في ذلك في حديث النسائي في الرجل الذي تصدق عليه بثوبين ، ثم جاء رجل آخر يطلب أن يتصدق عليه أيضا فألقى هذا المتصدق الأول أحد ثوبيه صدقة عليه ، فانتهره رسول اللّه وقال « خذ ثوبك » فلم يقبل صدقته ، فإذا علم من نفسه أنه لا يسأل ولا يتعرض ، فحينئذ له أن يخرج عن ماله كله ، ولكن يميز أن الأفضلية إن كان عالما إذا لم يكن له كشف ، فإن كان صاحب كشف عمل بحسب كشفه فينبغي للعالم بنفسه أن يعامل نفسه بما يعامله به الشرع الحاكم عليه ، ولا ينظر المريد لما يخطر له في الوقت فيكون تحت حكم خاطره فيكون خطؤه أكثر من إصابته ، وهنا يتميز العاقل العالم من الجاهل ، لكن هذا كله ممن لا كشف له من أهل اللّه ، وقد سكت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن أبي بكر رضي اللّه عنه لما أتاه بماله كله لمعرفته بحاله ومقامه وما قال له : هلا أمسكت لأهلك شيئا من مالك ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( فالصديق وفي بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو اللّه ورسوله ) ، وأثنى عليه عمر بذلك بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم ينكره عليه ، وقال لكعب بن مالك : أمسك بعض مالك ، وكان كعب بن مالك قد انخلع من ماله كله صدقة لخاطر خطر له ، فلم يعامله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بخاطره وعامله بما يقتضيه حاله ، فقال : « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » .
( القسم الثاني : درجتهم دون درجة هؤلاء وهم الممسكون أموالهم ) على طريق ملك استحقاق لمن يستحق من ذلك ، وملك أمانة لم هو أمانة بيده ، وملك وجود لمن هي موجودة عنه ، ( المراقبون ) أي المنتظرون ( لمواقيت الحاجات ) الطارئة ( ومواسم الخيرات ) الدينية ، ( فيكون قصدهم في الادخار ) والإمساك ( الإنفاق ) أي الصرف على نفسه بما لا بد في نفس الأمر من المنفعة به ( على قدر الحاجة ) من الطعام والشراب واللباس ( دون التنعم ) بالزائد على القدر الضروري ( وصرف ) معطوف على قوله الإنفاق أي وقصدهم بالادخار أيضا