تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وينفرون عن الموت مع أن فيه لقاء المحبوب فامتحنوا بتصديق دعواهم في المحبوب واستنزلوا عن المال الذي هو مرموقهم ومعشوقهم ، ولذلك قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] وذلك بالجهاد وهو مسامحة بالمهجة شوقا إلى لقاء اللّه عز وجل والمسامحة بالمال أهون . ولما فهم هذا المعنى
شرح
طلحة رضي اللّه عنه في دعائه : اللهم ارزقني مجدا ومالا ، فلا يصلح المجد إلا بالمال ولا يصلح المال إلا بمراعاة المجد . وقال بعضهم : الفقير مقصوص الجناح وذلك لأن المال للغني كالجناح للطائر يطير به كيف شاء ، وكذلك الغني يدرك به لذات نفسه كيف شاء ، بخلاف الفقير فإنه لا يقدر درك أوطاره ، لذلك قال بعضهم في قوله تعالى :وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى[ الأعراف : 26 ] أن المراد بالريش هنا المال ، ( وبسببها ) أي تلك الأموال ( يأنسون بهذا العالم ) في تحصيل أغراضهم ( وينفرون عن الموت ) أشد النفرة حتى عن ذكره ( مع أن فيه ) أي الموت ( لقاء المحبوب ) ، ولذا قيل : الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب ، وفي الخبر : من أحب لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، ( فامتحنوا بتصديق دعواهم ) بالمحبة ( في المحبوب فاستنزلوا عن ) خصم ( المال الذي هو مرموقهم ) أي منظورهم ( ومعشوقهم ) بالطبع . والصبر على فقد المحبوب من أعظم الصبر ولا يصبر عليه إلا مؤمن أو عارف ، فإن الزاهد لا زكاة عليه لأنه ما ترك له شيئا تجب فيه الزكاة ، والعارف ليس كذلك لأنه يعلم أن فيه من حيث ما هو مجموع العالم من يطلب المال فيوفيه حقه فتجب عليه الزكاة من حيث ذلك الوجه وهو زاهد من وجه آخر ، فالعارفون هم الكمل من الرجال فلهم الزهد والادخار والتوكل وإثبات الأسباب ، ولهم المحبة في جميع العالم كله ، ولا يقدح حبه للمال والدنيا في حبه للّه والآخرة فإنه ما يحبه منه لأمر ما إلا ما يناسب ذلك الأمر من العوالم ، ( ولذلك قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِالآية [ 111 ، من سورة التوبة ] ( وذلك بالجهاد ) في سبيله ( وهو مسامحة بالمهجة ) أي النفس ( شوقا إلى لقاء اللّه ) وإعلاء لكلمة اللّه ( والمسامحة بالمال أهون ) من مسامحة المهجة ، وتحقيق هذا المقام أن اللّه تعالى أنزل النفوس من ذواتها منزلة الأموال ، فجعل فيها الزكاة كما جعلها في الأموال قال : « زكوا أموالكم » وقال في النفس :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها[ الشمس : 9 ] وقد جعل فيها حكم البيع والشراء كما في هذه الآية ، فجعل الشراء في الأموال والنفوس كذلك جعل الزكاة في الأموال والنفوس ، فزكاة الأموال معلومة وقد ذكرت ، وزكاة النفوس ببذلها في سبيل اللّه إعلاء لكلمة اللّه وشوقا للقاء اللّه بجهاد كفار الظاهر والباطن ، ولما كان بذل الأنفس في سبيل اللّه شديدا قدم ذكرها على الأموال تنبيها على علو مقامه وأوقع الشراء عليها قبل الأموال تنويها في شأنه ولزكاة النفوس تقرير آخر مبني على أصل أصيل فيه عبرة للمعتبر ، وذلك أن الزكاة حق اللّه في المال والنفس ما هو حق لرب المال ولا النفس فنظرنا في النفس ما هو لها فلا تكليف عليها بزكاة وما هو للّه بتلك الزكاة فنعطيه للّه من هذه النفس لنكون من المفلحين بقوله :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهافإذا نظرنا إلى