في بذل الأموال انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : قسم صدقوا التوحيد ووفوا بعهدهم ونزلوا عن جميع أموالهم فلم يدخروا دينارا ولا درهما ، فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم : كم يجب من الزكاة في مائتي درهم ؟ فقال : أما على العوام بحكم
شرح
عين النفس لذاتها من كونها عينا ممكنة لذاتها لا زكاة عليها في ذلك ، فإن اللّه لا حق له في الإمكان فإنه سبحانه واجب لذاته غير ممكن بوجه من الوجوه ، ووجدنا هذه النفس قد اتصفت بالوجود فقلنا هذا الوجود هو لها لذاتها أم لا . فرأينا أن وجودها ليس هو عين ذاتها ولا هو لذاتها فنظرنا لمن هو فوجدناه للّه كما وجدنا القدر المعين في مال زيد المسمى زكاة ليس من مال زيد ، وإنما هو أمانة عنده ، كذلك الوجود للنفس في هذه العين إنما هو أمانة عنده ، فقلنا لهذه النفس هذا الوجود الذي أنت فيه ليس هو لك إنما هو للّه فأخرجه للّه وأضفه إلى صاحبه وابق أنت على إمكانك لا ينقصك شيء مما هو لك ، وأنت إذا فعلت ذلك كان لك من الثواب عند اللّه والمنزلة ما لا يقدر قدر ذلك إلا اللّه تعالى وهو الفلاح الذي هو البقاء ، فيبقي اللّه هذا الوجود لك لا يأخذه منك أبدا ، فهذا معنى قوله :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهاوهو بقاء خاص ببقاء اللّه تعالى ، ومن هنا وجبت الزكاة في النفوس كما وجبت في الأموال ووقع فيها البيع والشراء كما وقع في الأموال .
فإن قلت : هذا الذي ذكرته في زكاة النفس يعارضه قوله تعالى :فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى[ النجم : 32 ] .
فالجواب أنه ليس معنى هذه الآية كما يقولون ، وإنما المراد به أن اللّه تعالى لا يقبل زكاة من أضاف نفسه إليه أي إذا رأيتم أن أنفسكم لكم لا لي والزكاة إنما هي حقي وأنتم أمناء عليه ، فإذا ادعيتم فيها فتزعمون أنكم أعطيتموني ما هو لكم واني سألتكم ما ليس لي والأمر على خلاف ذلك ، فمن كان بهذه المثابة من العطاء فلا يزكي نفسه وينكشف الغطاء في الدار الآخرة ، فتعلمون في ذلك الوقت هل كانت نفوسكم التي أوجبت الزكاة فيها لي أو لكم حيث لا تنفعكم معرفتكم بذلك فلا معارضة بين الآيتين ، فالزكاة في النفوس آكد منها في الأموال ولهذا قدمها اللّه في الشراء فقال :إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْثم قال :وَأَمْوالَهُمْفالعبد ينفق في سبيل اللّه نفسه وماله .
( ولما فهم هذا المعنى في بذل المال انقسم الناس بحكم الأصل ثلاثة أقسام : قسم صدقوا في التوحيد ووفوا بعهدهم ) الذي عقدوا ضميرهم عليه ( ونزلوا عن جميع أموالهم ) للّه تعالى ووضعوها في مواضعها ( فلم يدخروا دينارا ولا درهما ، وأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم ) وهؤلاء مشهدهم رؤية الأفعال من اللّه ، وأنه لا أمر للعبد فيها لأنه ما ثم ما يرد إلى اللّه فإنهم علموا أن الكل للّه ( حتى قيل لبعضهم ) ممن هو في هذا المشهد : ( كم يجب في مائتي درهم ) ورق ( من زكاة ؟ فقال : أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم ) وهو