الشرع فخمسة دراهم ، وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ، ولهذا تصدق أبو بكر رضي اللّه عنه بجميع ماله ، وعمر رضي اللّه عنه بشطر ماله ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أبقيت لأهلك » فقال : مثله . وقال لأبي بكر رضي اللّه عنه : « ما أبقيت لأهلك ؟ » قال : اللّه ورسوله . فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « بينكما ما بين كلمتيكما » . فالصديق وفي بتمام الصدق فلم يمسك
شرح
ربع عشر المائتين ، ( وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ) أشار بذلك إلى مقامه الذي هو فيه ، وقيل : المراد بالبعض هنا هو شيبان الراعي ، وكان الشافعي ، وابن حنبل يزورانه ويعتقدانه فسألاه يوما عن الزكاة فقال لهما : على مذهبكم أو على مذهبنا إن كان على مذهبنا فالكل للّه لا نملك شيئا ، وان كان على مذهبكم ففي كل أربعين شاة من الغنم شاة ، وقد تقدم هذا للمصنف في كتاب العلم ، وذكرنا هناك أن المحدثين لا يثبتون لقاء الإمامين به ويقدحون فيه ، وقد أثبت ذلك جماعة من العارفين كأبي طالب المكي ، والمصنف ، والشيخ الأكبر ، وذكر ذلك في عدة مواضع من كتبه الفتوحات المكية وكتاب الشريعة ، وتقدم بعض هذه العبارة في سياق زكاة الأوقاص في الاعتبارات . ( ولهذا جاء أبو بكر رضي اللّه عنه ) إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ( بجميع ماله ، وعمر رضي اللّه عنه بشطر ماله ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « ما ذا أبقيت لأهلك » فقال :
مثله . وقال لأبي بكر : « ما ذا أبقيت لأهلك » فقال : اللّه ورسوله ) . قال العراقي : رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه من حديث عمر إلّا أنه ليس فيه ( فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « بينكما ما بين كلمتيكما » ) .
قلت : لفظ أبي داود من حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوما أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما فجئت بنصف مالي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أبقيت لأهلك » قلت : مثله . قال : وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال : « ما أبقيت لأهلك » قال : أبقيت لهم اللّه ورسوله . قلت : لا أسابقك إلى شيء أبدا اه .
قلت : وروي عن يونس عن الحسن مرسلا أنه قال لهما « ما بين صدقتكما كما بين كلامكما » .
وتحقيق هذا المقام أن العارفين باللّه منهم من يكشف له عن حقيقة ما يعطي ، فيقال له هذا ملكك فيقبله منه بالأدب والعلم في ذلك أنه ملك استحقاق لمن يستحقه ومن هو حق له ، وملك أمانة لمن هو أمانة بيده ، وملك وجود لمن هو موجود عنده ، فالأشياء كلها ملك للّه وجودي وهي للعبد بحسب الحال فما لا بد له في نفس الأمر من المنفعة به على التعيين فهو ملك استحقاق له وهو من الطعام والشراب بما يتغذى به في حين التغذي به مما يتغذى ، لا مما يفضل عنه . ويخرج من سبيله وغير ذلك ، ومن الثياب ما يقيه حر الهواء وبرده . وأما ما عدا هذا القدر فهو ملك أمانة بيده لمن يدفع به أيضا ما وقع به هو عن نفسه مما ذكرنا حينئذ ، فلا يخلو صاحب هذا