شرح
هنا لأنهم غير معينين ، ولا يعرف مالك غير معين في الشرع ، وكذا الملك غير متعين حتى جاز له نقله إلى غير ذلك المال من جنسه بأن يشتري قدر الواجب من غيره فيدفعه إلى الفقراء ، ولأنه لو كانت للملك لما جاز له أن يطأ جارية له للتجارة لمشاركة الفقراء فيها وهو خلاف الإجماع ، ولأن بعضهم ليس فيه لام وهو قولهوَفِي الرِّقابِ *وَفِي سَبِيلِ اللَّهِوَابْنَ السَّبِيلِ *فلا يصح دعوى التمليك .
وقولهم : وقد ذكرهم بلفظ الجمع الخ لا يستقيم لأن الجمع المحلى بالألف واللام يراد به الجنس ويبطل معنى الجمع كقوله تعالى :لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ[ الأحزاب : 52 ] حتى حرمت عليه الواحدة ، ولأن بعضهم ذكر باسم المفرد كابن السبيل ، واشتراط الجمع فيه خلاف المنصوص ، ولم يشترط هو في العامل أن يكون جمعا والمذكور فيه بلفظ الجمع وهذا خلف . هذا ما قرره الزيلعي في شرح الكنز مع زيادات عليه .
وقرره ابن الهمام بوجه آخر فقال : حقيقة « اللام » الاختصاص الذي هو المعنى الكلي الثابت في ضمن الخصوصيات من الملك والاستحقاق ، وقد يكون مجردا ، فحاصل التركيب إضافة الصدقات العام الشامل لكل صدقة متصدق إلى الأصناف العام كل منها الشامل لكل فرد فرد بمعنى أنهم أجمعين أخص بها كلها ، وهذا لا يقتضي لزوم كون كل صدقة واحدة ينقسم إلى أفراد كل صنف ، غير أنه استحال ذلك فلزم أقل الجمع منه ، بل إن الصدقات كلها للجميع أعم من كون كل صدقة صدقة لكل فرد فرد ، ولو أمكن أو كل صدقة جزئية لطائفة أو لواحد ، وأما على اعتبار أن الجمع إذا قوبل بالجمع أفاد من حيث الاستعمال العربي انقسام الآحاد على الآحاد على نحو :جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ[ نوح : 7 ] وركب القوم دوابهم ، فالإشكال أبعد حينئذ إذ يفيد أن كل صدقة لواحد ، وعلى هذا الوجه فلا يفيد الجمع من كل صنف إلا أنهم صرحوا بأن المستحق هو اللّه سبحانه وتعالى ، غير أنه أمر بصرف استحقاقه إليهم على إثبات الخيار للمالك في تعيين من يصرفه إليه ، فلا تثبت حقيقة الاستحقاق لواحد إلا بالصرف إليه إذ قبله لا تعين له ولا استحقاق إلا لمعين ، وجبر الإمام لقوم علم أنهم لا يؤدون على إعطاء الفقراء ليس إلا للخروج عن حق اللّه تعالى لا لحقهم . ثم رأينا المروي عن الصحابة نحو ما ذهبنا إليه ، ثم ساق ما ذكرناه عن ابن جرير آنفا ، ثم قال : وقال أبو عبيد في كتاب الأموال :
ومما يدل على صحة ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف واحد وهم المؤلفة قلوبهم : الأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وعلقمة بن علاثة ، وزيد الخيل قسم فيهم الذهبية التي بعث بها معاذ من اليمن ، وإنما تؤخذ من أهل اليمن الصدقة ، ثم أتاه مال آخر فجعله في صنف آخر وهم : الغارمون فقال لقبيصة بن المخارق حين أتاه وقد تحمل حمالة « يا قبيصة أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها » وفي حديث سلمة بن صخر البياضي أنه أمر له بصدقة قومه ، وأما الآية فالمراد بها بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم ، واللّه أعلم اه .