تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
شرح
بقاء المال والتردد اعتضد بالأصل . أما إذا قال : هذه زكاة الغائب فإن كان تالفا فعن الحاضر فالمذهب ، والذي قطع به الجمهور إن كان الغائب باقيا وقع عنه وإلّا وقع عن الحاضر ولا يضر التردد ، فإن التعيين ليس بشرط حتى لو قال هذه عن الحاضر أو الغائب أجزأه وعليه خمسة للآخر ، وعن صاحب التقريب تردد في اجزائه عن الحاضر ، ولو قال : هذه عن الغائب إن كان باقيا وإلّا فعن الحاضر أو هي صدقة وكان الغائب تالفا لم يقع عن الحاضر كما قال الشافعي رحمه اللّه . ولو قال : إن كان مالي الغائب سالما فهذه زكاته أو نافلة وكان سالما لم يجزه لأنه لم يخلص القصد عن الفرض . وقولنا في هذه المسائل مال غائب يتصوّر إذا كان غائبا في بلد آخر وجوّزنا فعل الصدقة أو معه في البلد وهو غائب عن مجلسه .

فصل [ في شرط صحة أدائها ]

وقال أصحابنا : شرط صحة أدائها نية مقارنة للأداء أو لعزل مقدار الواجب أو تصدق بجميع النصاب لأنها عبادة فلا تصح إلا بالنية ، والأصل فيه الاقتران بالأداء كسائر العبادات إلا أن الدفع يتفرق فيخرج باستحضار النية عند كل دفع ، فاكتفى بوجودها حالة العزل دفعا للحرج كتقديم النية في الصوم ، وهذا لأن العزل فعل منه ، فجازت النية عنده بخلاف ما إذا نوى أن يؤدي الزكاة ولم يعزل شيئا وجعل يتصدق شيئا فشيئا إلى آخر السنة ولم تحضره النية ولم يجزه عن الزكاة ، لأن نيته لم تقترن بفعل مّا فلا تعتبر . وقولنا : أو تصدق بكله لأنه إذا تصدق بجميع ماله فقد دخل الجزء الواجب فيه ، فلا حاجة إلى التعيين استحسانا لكون الواجب جزءا من النصاب ، ولا فرق بين أن ينوي النفل أو لم تحضره النية بخلاف صوم رمضان حيث لا يكون الإمساك مجزئا عنه إلا بنية القربة ، فالفرق إن دفع المال بنفسه قربة كيفما كان والإمساك لا يكون قربة إلا بنية فافترقا ، وهذا لأن الركن في الموضعين إيقاعه قربة وقد حصل بنفس الدفع إلى الفقير دون الإمساك ، ولو دفع جميع النصاب إلى الفقير ينوي به النذر ، أو عن واجب آخر يقع عما نوى ويضمن قدر الواجب كالنذر المعين في الصوم إذا نوى فيه التطوّع يقع عن النذر ، وإن صام فيه عن واجب آخر يقع ما نوى ويقضي النذر ، ولو وهب بعض النصاب من الفقير سقط عنه زكاة المؤدي عند محمد اعتبارا للجزء بالكل ، إذ الواجب شائع في الكل فصار كالهلاك ، وعند أبي يوسف لا يسقط لأن البعض غير متعين لكون الباقي محلا للواجب بخلاف الهلاك ، لأنه لا صنع له فيه فتعذر الدفع بصنعه فلا يعذر ، وعلى هذا لو كان له دين على فقير فابرأه عنه سقطت زكاته عنه نوى به عن الزكاة أو لم ينو لأنه كالهلاك ، ولو أبرأه عن البعض سقط الزكاة عن ذلك البعض لما قلنا ، وزكاة الباقي لا تسقط عنه ، ولو نوى به الأداء عن الباقي لأن الساقط ليس بمال والباقي يجوز أن يكون مالا فكان الباقي خيرا منه فلا يجوز الساقط عنه ، وكذا لا يجوز أداء الدين عن العين بخلاف العكس ، ولو كان الدين على غني فذهب منه بعد وجوب الزكاة فيه قيل يضمن قدر الواجب عليه ، وقيل لا يضمن واللّه أعلم .